اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. هاني الضمور : الهجرة النبوية .. حين يغادر التاريخ مكانه ليصبح قانونًا للحياة

أ. د. هاني الضمور : الهجرة النبوية .. حين يغادر التاريخ مكانه ليصبح قانونًا للحياة
أخبارنا :  

في كل عام هجري جديد، تتجه الأنظار إلى واحدة من أعظم المحطات في التاريخ الإسلامي؛ هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. وغالبًا ما تُستعاد هذه الذكرى بوصفها حدثًا تاريخيًا غيّر مسار الدعوة الإسلامية، لكن الوقوف عند حدود الحدث وحدها قد يحجب عنا المعنى الأوسع والأعمق للهجرة. فالهجرة لم تكن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، ولا رحلة فرضتها ظروف قاسية فحسب، بل كانت إعلانًا عن قانون من قوانين الحياة والتاريخ؛ قانون يؤكد أن البقاء ليس دائمًا في التمسك بالمكان، وإنما في القدرة على الانتقال إلى المرحلة التي تستدعيها الرسالة والغاية.

 

لقد غادر النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وهي أحب الأرض إلى قلبه، لكنه لم يغادرها يأسًا أو هروبًا، بل غادرها لأن المشروع الذي بدأ فيها كان يحتاج إلى فضاء جديد ينمو فيه ويتحول من فكرة تواجه الرفض والحصار إلى مجتمع يبني المستقبل. ومن هنا تتجلى إحدى أهم الرسائل الحضارية للهجرة؛ فالأفكار الكبرى لا تنتصر بمجرد صدقها وعدالتها، بل تحتاج أيضًا إلى بيئة تحتضنها، وإلى رؤية تدرك متى تصبر ومتى تتحرك، ومتى تواصل الطريق من نقطة أخرى.

وفي هذا المعنى، تبدو الهجرة حدثًا متجددًا يتجاوز حدود الزمان والمكان، فكل إنسان يمر في حياته بلحظات يحتاج فيها إلى هجرة من نوع ما، قد لا يترك مدينة أو وطنًا، لكنه يترك فكرة قيدته، أو عادة أعاقت تقدمه، أو خوفًا منعه من الانطلاق. الهجرة الحقيقية قد تكون انتقالًا من عقلية الشكوى إلى عقلية المبادرة، ومن انتظار الفرص إلى صناعتها، ومن التردد إلى اتخاذ القرار، وكثير من التحولات الكبرى في حياة الأفراد تبدأ عندما يدرك الإنسان أن ما أوصله إلى مكانه الحالي لن يكون كافيًا ليقوده إلى مستقبله المنشود.

ولا يقتصر هذا المعنى على الأفراد وحدهم، بل يمتد إلى المؤسسات والمنظمات. فكم من مؤسسة حققت نجاحات كبيرة ثم بدأت بالتراجع لأنها ظلت أسيرة نماذج عمل نجحت في الماضي، بينما كان العالم يتغير من حولها، إن الهجرة المؤسسية ليست التخلي عن الهوية، بل تجديد وسائل التعبير عنها. وهي القدرة على مغادرة منطقة الراحة نحو آفاق الابتكار والتطوير فالمؤسسات التي تتوقف عن التجدد تفقد قدرتها على المنافسة، مهما كان تاريخها عريقًا أو إنجازاتها كبيرة.

أما على مستوى الأمم والحضارات، فإن الهجرة تصبح شرطًا من شروط النهضة، فالتاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تتراجع حين تنفد مواردها فقط، بل حين تتوقف عن مراجعة أفكارها وتجديد أدواتها. وكل نهضة كبرى عرفتها البشرية كانت في جوهرها نوعًا من الهجرة الفكرية؛ انتقال من أنماط تفكير لم تعد قادرة على الإجابة عن أسئلة العصر إلى رؤى جديدة تفتح أبواب المستقبل.

ومن هنا يمكن النظر إلى كثير من التحديات التي تواجه مجتمعاتنا اليوم من زاوية مختلفة، فربما لا تكمن المشكلة في نقص الإمكانات بقدر ما تكمن في التردد في اتخاذ خطوة الانتقال. نحن بحاجة إلى هجرة من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج، ومن الاكتفاء باستيراد المعرفة إلى المساهمة في صناعتها، ومن الانشغال بالخلافات الصغيرة إلى التركيز على المشاريع الكبرى التي تصنع مستقبل الأجيال القادمة، كما أننا بحاجة إلى هجرة من إدارة الأزمات إلى بناء الرؤى، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات.

ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الفشل، بل الاعتياد على الواقع مهما كانت عيوبه. فالأمم التي تتقدم هي تلك التي تمتلك شجاعة مراجعة الذات، والقدرة على مغادرة ما اعتادته عندما يصبح عائقًا أمام تطورها. والهجرة في هذا السياق ليست قطيعة مع الماضي، وإنما وفاء لجوهره، فالماضي العظيم لا يُكرَّم بتكراره، بل بالبناء عليه والانطلاق منه نحو آفاق أرحب.

إن الهجرة النبوية تعلمنا أن التحول ليس استجابة للظروف فحسب، بل صناعة للمستقبل، وتعلمنا أن الحركة سنة من سنن الحياة، وأن الجمود بداية التراجع مهما بدا مطمئنًا، كما تؤكد أن الرسالات والأفكار والأمم لا تُقاس بما تحتفظ به من ذكريات، بل بما تمتلكه من قدرة على التجدد والاستمرار.

ولهذا تبقى الهجرة أكثر من ذكرى نستعيدها مع مطلع كل عام هجري؛ إنها دعوة مفتوحة للإنسان كي يغادر حدود الخوف إلى فضاء الأمل، ويغادر دائرة الانتظار إلى ميدان العمل، ويغادر أسر العادة إلى رحابة الإبداع. إنها تذكير دائم بأن الطريق إلى المستقبل لا يبدأ من تغيير المكان فحسب، بل من امتلاك الشجاعة لتغيير ما يجب تغييره في الأفكار والرؤى والوسائل، وعندما نفهم الهجرة بهذا المعنى، فإنها تغادر صفحات التاريخ لتصبح قانونًا للحياة، وسرًا من أسرار النهوض الفردي والحضاري في كل زمان.


مواضيع قد تهمك