احمد عوض : التقرير الطوعي الثالث لأهداف التنمية المستدامة
يستعد الأردن لتقديم تقريره الوطني الطوعي الثالث حول تنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030، في محطة مهمة لا ينبغي التعامل معها بوصفها إجراءً بروتوكوليًا أمام المنتدى السياسي رفيع المستوى في الأمم المتحدة، بل بوصفها فرصة وطنية لمراجعة السياسات العامة وقياس أثرها الفعلي في حياة الناس، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة.
لا يمكن إنكار أن الأردن حقق تقدمًا في عدد من المجالات المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة. فقد تطورت منظومة البيانات الوطنية، وتوسعت بوابة الأردن للتنمية في توفير مؤشرات قابلة للمتابعة، كما جرى ربط أهداف التنمية المستدامة بأطر وطنية مثل رؤية التحديث الاقتصادي. كذلك شهدت السنوات الماضية جهودًا في مجالات الحماية الاجتماعية، والتخطيط للأمن الغذائي، والتحول الرقمي، وتحسين الوصول إلى التعليم، وتوسيع مساهمة الطاقة المتجددة، وإصلاح قطاع المياه، بما في ذلك التركيز على كفاءة استخدام الموارد في بلد يُعد من بين أكثر بلدان العالم ندرةً في المياه.
لكن هذه الإنجازات، على أهميتها، لا تخفي حقيقة أن التقدم ما يزال متفاوتًا ومحدود الأثر على مستوى الحياة اليومية لكثير من المواطنين. فما تزال بيانات الفقر غير محدثة بانتظام، الأمر الذي يضعف قدرة صانعي القرار والمجتمع على تقييم السياسات الاجتماعية بدقة. كما تستمر البطالة، ولا سيما بين الشباب والنساء، عند مستويات مرتفعة، وتتراجع القدرة الشرائية للأسر بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور. ويضاف إلى ذلك اتساع نطاق العمل غير المنظم، وفجوات الحماية الاجتماعية، واستمرار تحديات المساواة بين الجنسين، وتزايد الضغوط على الخدمات العامة.
ولا يمكن فصل التعثر في عدد من مؤشرات التنمية المستدامة عن الخيارات الاقتصادية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الماضية. فقد مارست هذه السياسات ضغوطًا على مؤشرات الفقر والبطالة والعمل اللائق والحماية الاجتماعية، من خلال الاعتماد الواسع على الضرائب غير المباشرة والضرائب على الاستهلاك، وهي سياسات تمس الفئات محدودة ومتوسطة الدخل أكثر من غيرها، وتؤدي إلى إضعاف القدرة الشرائية والطلب المحلي. كما أن سياسات الأجور لم تتطور بما يكفي لمواكبة ارتفاع كلفة المعيشة، إذ بقيت الزيادات محدودة ومتباعدة، ولم تنجح في توفير حد أدنى من الدخل اللائق لشريحة واسعة من العاملين.
وفي مجال العمل، مالت السياسات في كثير من الأحيان إلى إعطاء الأولوية لخفض كلف التشغيل وتحفيز الاستثمار، من دون ضمانات كافية لتحسين شروط العمل، وتوسيع الحماية الاجتماعية، والحد من العمل غير المنظم. وبهذا المعنى، فإن بعض مظاهر التعثر لا تعود فقط إلى الأزمات الخارجية أو نقص التمويل، بل أيضًا إلى نمط اقتصادي لم يضع العدالة الاجتماعية والعمل اللائق في قلب السياسات العامة.
والأكثر إشكالية أن عملية إعداد التقرير لم تستند إلى مشاورات واسعة ومنهجية مع المجتمع المدني. فقد اتسمت مشاورات وزارة التخطيط والتعاون الدولي بقدر من الانتقائية، ولم تشمل العديد من المنظمات ذات الخبرة الطويلة في العمل على أهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك منظمات شاركت سابقًا في إعداد تقارير ظل خلال المراجعتين السابقتين. وهذا يضعف الملكية الوطنية للتقرير، ويحول المشاركة من حوار مؤثر إلى حضور شكلي أو تبادل محدود للمعلومات.
إن التقرير الطوعي الثالث يجب أن يكون بداية لنقاش وطني صريح حول السياسات، لا مجرد عرض للإنجازات. فمبدأ "عدم ترك أحد خلف الركب” لا يتحقق إلا بمشاركة أوسع، وشفافية أكبر، وربط أوضح بين المؤشرات والسياسات والحقوق.
ــ الغد