د. عدنان مساعدة : لغة الأرقام والتشريعات في نهضة التعليم العالي في الأردن
يعتبر التعليم بشقيه الأساسي والتعليم الجامعي محورا سياديا ومؤشرا مهما يعكس مدى نهضة الدول وتقدمها، لإن قطاع التعليم يتقاطع في علاقته البينية وتداخلاته مع كل قطاعات التنمية من صحة وزراعة واقتصاد وأعمال وقانون ادارة وطاقة ومياه وغيرها ويؤثر فيها، وبمعنى آخر التعليم هو المرتكز الأساس للنهضة لإنه يبني الإنسان القادر والمؤهل علما وتدريبا وثقافة ورؤية الذي سينطلق بعد ذلك للعمل في عدة ميادين ومسارات.
ونظرة عميقة ومتأنية لمسيرة التعليم في أردننا ومنذ عهد الإمارة وإلى الآن ومملكتنا دخلت المئوية الأولى، نجد تطورا كبيرا ونهضة متسارعة شهدها قطاع التعليم العالي في بلدنا خلال فترة منتصف السبعينيات بعد إنشاء جامعة اليرموك في إربد عام 1976 لتنضم جنبا إلى جنب مع الجامعة الأردنية الجامعة الأم التي تأسست عام 1962، وبعد ذلك أنشئت جامعة السيف والقلم جامعة مؤته عام 1981 في الكرك لتكون جامعة وطنية عسكرية ومدنية، وتلتها جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية في اربد/ منطقة الرمثا عام 1986 لتشكّل هذه الجامعات مربعا تؤدي كل جامعة رسالتها العظيمة في بناء الإنسان الأردني، كما إحتضنت هذه المؤسسات التعليمية أعدادا كبيرة من الطلبة من الدول العربية ودول الإقليم ودول العالم م وكانت بحق منارات علم ونهضة.
وفي عام 1990 بدأت جامعة عمان الأهلية في محافظة البلقاء بإستقبال الطلبة في رحابها كأول جامعة خاصة في المملكة، وتوالى الإمتداد الأفقي في إنشاء الجامعات والكليات الجامعية الرسمية والخاصة في المملكة حيث وصل عددها الآن إلى 10 جامعات رسمية و10 كليات جامعية التي يشرف على التدريس فيها 8508 اعضاء هيئة تدريس يقومون بتدريس 1520 تخصصا منها 94 تخصصا جديدا تم استحداثها لتلبي حاجة سوق العمل، وتبلغ نسبة الطلبة 60 % في الجامعات والكليات الجامعية الرسمية من مجموع الطلبة الدارسين في المملكة، كما وصل عدد الجامعات الخاصة الى 18 جامعة و42 كلية مجتمع يدرس فيها 5644 عضو هيئة تدريس يقومون بتدريس 987 تخصصا منها 88 تخصصا جديدا لـ 40 % من الطلبة الدارسين في المملكة. وتشكل نسبة الطلبة الوافدين الدراسين في المملكة 11.5 % (55410 طلاب وافدين) .
وأشير هنا، إلى أن ما يقارب 75 % من الطلبة الأردنيين يدرسون مجانا أو شبه مجاني على نفقة مؤسسات وطنية تشارك فيها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التربية والتعليم والقوات المسلحة التي تدعم نفقات الدراسة في برامج البكالوريس والدبلوم المتوسط، ممّا يؤكد قدرة الدولة على إدارة ملف التعليم العالي الذي تشرف عليه الحكومة ممثلة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي تنفيذا لرؤية جلالة سيدنا بإعتبار أن التعليم محور أساسي ومن أولى الأولويات، يضاف إلى ذلك سعي الحكومة ممثلة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي للسعي إلى تهيئة وتوفير الإستقرار المالي الجامعات حيث تم تخصيص 40 مليون دينار للجامعات الحكومية هذا العام، وهذا الجهد يسجّل لحكومة دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسّان ولمعالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأستاذ الدكتور عزمي محافظه إيمانا بأن دعم الجامعات أولوية والإستمرار في تأدية رسالتها كحاضنات وعي ومنارات فكر كما يوجه جلالة سيدنا إلى ذلك دائما.
ولم يتوقف الأمر عند هذه الأرقام، فملف التعليم والبحث العلمي حاضر دائما في عقل الدولة، حيث تم إعادة هيكلة المديريات إداريا، فقد تم إلحاق صندوق البحث العلمي الذي كان تابعا لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، حيث يتولى محور دعم البحث العلمي ويراعي الأولويات الوطنية، وعقد شراكات بحثية مباشرة مع جامعات ومراكز أبحاث محلية وعلى مستوى الإقليم والعالم. كما أن دائرة المسؤوليات المناطة بهيئة إعتماد مؤسسات التعليم العالي أصبحت أكثر إتساعا بإنضمام عدد من المديريات اليها من جهة، ومن حيث رقابتها ومتابعتها لجودة مسار التعليم في الجامعات والكليات الجامعية وكليات المجتمع الرسمية والخاصة من جهة ثانية.
وتم إقرار تشريعات وقانون جديد بعد عملية دمج وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مع وزارة التربية والتعليم والتي أصبحت تحت مسمى وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية حيث صدر قانون جديد الذي استكملت مراحله الدستورية وصدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 14/ 5/ 2026 ليدخل حيز التنفيذ بتاريخ 14/ 7/ 2026، حيث تعمل الوزارة على رفع سوية التعليم بمراحله المختلفة، وتحسين مخرجات التعليم وجودته وتنافسيته ضمن أولويات ومعايير ومرتكزات أساسية تضمن إستدامته في التطوير والتحديث.
كما رافق ذلك تغيير في التشريعات والقوانين الناظمة التي طالت قانون الجامعات الرسمية والخاصة لمواءمة الإطار التشريعي الناظم لمؤسسات التعليم العالي الأردنية مع التحولات المؤسسية وتعزيز حوكمة مؤسسات التعليم العالي وتسريع إتخاذ القرار، وأجريت تعديلات جوهرية تضمنت تخفيض عدد أعضاء مجالس الأمناء ليصبح 9 بدلا من 13 عضوا، وتغيير شروط وآلية تعيين رؤساء الجامعات التي ترتبط بتنسيب مجلس الأمناء. وهنا، نأمل أن تسهم هذه القوانين في الإستقرار التشريعي لهذه المؤسسات التعليمية لتتفرغ لمهامها وتحقيق أهدافها ورؤيتها بما ينعكس إيجابا على جودة التعليم ومخرجاته في سوق العمل.
وهنا، فالأمانة تقتضي أن نسجّل ذلك الجهد الكبير الذي بذلته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ممثلا بمعالي الأستاذ الدكتور عزمي محافظه ومجلس التعليم العالي والعاملين في الوزارة، وهذا الزخم من الجهد الكبير والعمل المتواصل والمتسارع لمواكبة التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي الذي أصبح يفرض نفسه واقعا يؤثر في منظومة التعليم، حيث بات الأمر لزاما على مؤسسات التعليم في بلدنا أن تستعد لإستيعاب هذه التحولات المتسارعة مع الحفاظ على مكنونات موروث نظامنا التعليمي وسمعته الذي تم بناؤه تراكميا عاما بعد عام ساهمت في بنائه عدة أجيال منذ عهد الإمارة وإلى الآن.
ونأمل أن تصب هذه الإجتهادات والجهود المخلصة، وتسهم التجربة الجديدة في تطوير مداميك التعليم في أردننا الغالي التي تستند كما ذكرت على بناء الانسان المتطور في عقله وفكره الذي يكون رافعة البناء الحقيقي لوطن ينشد التقدم والنهضة، مترسمّين رؤية جلالة سيدنا المعلم الأول الذي يولي التعليم النوعي كل إهتمام ورعاية، وكذلك متابعة سمو ولي العهد الأمين المستمرة الذي يوجّه إلى كل ما يصب في نهضة تكنولوجيا التعليم والتعليم التقني والمعرفة، ليسهم ذلك في صياغة منظومة تعليمية تتسم بالحداثة لتؤتي ثمارها النوعية والمفيدة على أبنائنا في كل مراحل تعليمهم من جهة، ولنضع أردننا على خريطة العالم المعرفية يؤثر ويتأثر بها من جهة ثانية، وبما يخدم مسيرة التنمية الشمولي في بلدنا بهمة وإرادة المخلصين نسير بثقة ويحدونا الأمل والعمل معا لتحقيق غد مشرق ومشرّف لوطننا لينعم أبناؤه بالخير في أردن الخير والعطاء.