اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

القس سامر عازر : الرجولة تولِّدها المواقف

القس سامر عازر : الرجولة تولِّدها المواقف
أخبارنا :  

القس سامر عازر


كثيراً ما تُفهم الرجولة على أنها صفة مرتبطة بالذكورة وحدها، لكن التراث العربي الأصيل يقدّم فهماً أعمق وأوسع لهذا المفهوم. فالرجولة ليست وصفاً بيولوجياً بقدر ما هي منظومة من القيم والمبادئ والمواقف. ولذلك درج الناس على القول عن المرأة الشهمة صاحبة المروءة والثبات: "إنها أخت رجال"، لا انتقاصاً من أنوثتها، بل تقديراً لما تحمله من شجاعة وكرامة ونبل وإقدام.


فالرجولة الحقيقية لا تُقاس بالقوة الجسدية، ولا بالمكانة الاجتماعية، ولا بكثرة الكلام والشعارات، بل تُقاس بالمواقف التي يقفها الإنسان عندما تُختبر المبادئ وتُمتحن الضمائر. ومن هنا تأتي مقولة الأديب الفرنسي فيكتور هوغو: "جميع النساء قد يلدن الذكور، ولكن المواقف وحدها هي التي تلد الرجال".


فالمواقف هي التي تكشف معادن الناس، وتُظهر ما إذا كانت القيم التي يتغنون بها متجذرة في أعماقهم أم مجرد كلمات تُقال في أوقات الراحة والأمان.


إن الرجولة تظهر حين ينتصر الإنسان للحق ولو كان الثمن باهظاً، وحين يقول كلمة الصدق في وجه الباطل، وحين يدافع عن المظلوم، ويقف إلى جانب الضعيف، ويحمل مسؤولياته بأمانة وشجاعة. وهي تظهر أيضاً في الوفاء بالعهد، والثبات على المبدأ، وتحمل تبعات القرار الصحيح مهما كانت نتائجه الشخصية.


ومن هنا فإن من أهم أهداف التربية والتعليم ليس مجرد تخريج أصحاب شهادات أو حاملي معارف، بل صناعة شخصيات قادرة على اتخاذ الموقف الصحيح في الوقت الصحيح. فالمجتمعات لا تنهض بالعلم وحده إذا انفصل عن الأخلاق، ولا تتقدم بالمعرفة وحدها إذا غابت عنها الشجاعة الأدبية والالتزام بالقيم. إننا بحاجة إلى أجيال من الشباب والشابات يحملون العلم، لكنهم يحملون معه أيضاً الجرأة على نصرة الحق، والاستعداد لخدمة الوطن، والقدرة على التضحية من أجل الخير العام.


وما قيمة الثقافة إذا لم تُترجم إلى موقف؟ وما فائدة المعرفة إذا لم تجعل صاحبها أكثر التزاماً بالعدل والإنصاف؟ فالحياة في جوهرها ليست مجرد عبور للأيام، بل هي مواقف تُصنع فيها الفوارق وتُكتب بها صفحات التاريخ. وكثيراً ما لا يتذكر الناس ما امتلكه الإنسان من مال أو جاه، لكنهم يتذكرون الموقف الذي وقفه عندما كان الجميع صامتين أو مترددين.


وقد قيل بحق إن مشكلتنا ليست فقط في وجود فاعلي الشر، بل في كثرة الصامتين والمتخاذلين الذين يشاهدون الخطأ ولا يعترضون عليه، ويرون الظلم ولا يقفون في وجهه. فالحياد في القضايا الأخلاقية الكبرى ليس دائماً فضيلة، والصمت أمام الظلم قد يتحول إلى شكل من أشكال المشاركة فيه. لذلك فإن المجتمعات تحتاج إلى أصحاب الضمائر الحية الذين لا يخشون الوقوف إلى جانب الحق، حتى عندما يكون ذلك مكلفاً أو غير شعبي.


إن الرجولة ليست ذكرى من الماضي نتغنى بها في قصص الأجداد، وليست قيمة انتهى زمانها مع تبدل العصور، بل هي حاجة دائمة لكل مجتمع يريد أن ينهض ويزدهر. فنحن بحاجة إلى رجولة في الأسرة، ورجولة في العمل، ورجولة في الإدارة، ورجولة في السياسة، ورجولة في الإعلام، ورجولة في كل موقع من مواقع المسؤولية. والمراد بالرجولة هنا تلك الروح التي تجمع بين القوة والأخلاق، وبين الحزم والرحمة، وبين الشجاعة والحكمة.


فالرجولة للإنسان كما القيادة للمؤسسة؛ إذ لا يمكن لأي عمل أن يحقق أهدافه من دون قيادة واعية ومسؤولة. وكذلك لا يستطيع الإنسان أن يترك أثراً حقيقياً في الحياة ما لم يتحلَّ بروح الرجولة القائمة على الموقف والمبدأ. فالأمم لا تبنى بكثرة المتفرجين، بل بقلة من الرجال والنساء الذين يؤمنون بقضية عادلة، ويتمسكون بها، ويملكون الشجاعة للسير في طريقها.


إن الرجولة ليست لقباً يُورث، ولا مظهراً يُكتسب، بل هي موقف يُصنع كل يوم. وكلما انتصر الإنسان للحق والكرامة والعدل والوفاء، أثبت أنه جدير بهذه الصفة النبيلة. فالمواقف هي التي تصنع الرجال، والمواقف هي التي تخلّد أصحابها، والمواقف هي التي تمنح الحياة معناها وقيمتها الحقيقية.


مواضيع قد تهمك