محمد ابو رمان : خلاف اللحظة وتحالف المرحلة
تشكل تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول منع بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، تنفيذ تهديده بقصف الضاحية الجنوبية في بيروت، مؤشراً مهماً على صعيد العلاقة الشخصية بين كل من بنيامين نتنياهو وترامب، وربما على صعيد ترسيم خطوط العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في المرحلة الحالية التي تشكّل قفزة كبيرة عن المراحل التاريخية السابقة، تتمثّل بدخول التيارات المسيحية الصهيونية على خط الصناعة المباشرة للقرار الأميركي تجاه القضية الفلسطينية، على أكثر من صعيد ومستوى، سواء عبر تواجد شخصيات منهم ضمن فريق ترامب ومسؤوليه أو على صعيد القاعدة الاجتماعية المؤيدة لهذه الجماعات والداعمة للرئيس ترامب.
تاريخياً اتسمت علاقة أميركا بإسرائيل بدرجة عالية من التحالف الوثيق، الذي يتجاوز الأبعاد الواقعية التي تفسّر العلاقات الدولية والسياسات الخارجية، فهنالك خصوصية واضحة وملموسة في علاقة الطرفين، وقد فُسّرت في مراحل معينة من خلال اللوبي الصهيوني ومؤسساته النافذة في الولايات المتحددة الأميركية، ورأينا كيف كتب كثيراً عن الأيباك ودوره في صناعة السياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية، وكان اثنان من أشهر الباحثين والمنظّرين في العلاقات الدولية، جون ميرشايمر وستيف والتس قد نشرا دراسة مهمة أحدثت صدى واسعاً في الأوساط الأميركية عن دور اللوبي الصهيوني في صناعة السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
لكن الحرب على غزة وما بعدها كشفت القناع عن مرحلة جديدة في هذه العلاقات ومتغيرات أخرى، وتتمثّل في الدور المتزايد للحركات المسيحية الصهيونية التي تجاوزت في اندفاعها نحو إسرائيل اللعبة التي كان يمارسها اللوبي الصهيوني التقليدي، فهذه الجماعات – بدايةً- لا تنطلق من مفاهيم واقعية أو عقلانية في ربط التحالف بين الدولتين بل من منطلقات دينية ورمزية تربط ما بين إقامة الهيكل وعلامات القيامة، وترى في ذلك شرطاً ضرورياً لعودة «المسيح المنتظر»، وقد أصبحت جزءاً رئيسياً من القاعدة المشكّلة لليمين الأميركي وللحزب الجمهوري هناك، ووصلت إلى الذروة مع الفترة الثانية لحكم دونالد ترامب، وباتت جزءاً من الحسابات الانتخابية الداخلية الأميركية من جهة، ومن تفكير الفريق المحيط بترامب نفسه والدعاية السياسية له.
لا يشمل ذلك بالضرورة الرئيس ترامب نفسه، لكنه جزء من هذه الحالة الجديدة التي شكّلت روافع سياسية له، وأصبحت تمثل جزءاً رئيساً من قاعدته الانتخابية، وتزاوجت هذه المرحلة للحزب الجمهوري الأميركي والترامبية السياسية مع تحول آخر مواز في إسرائيل يتمثل بصعود الصهيونية بصيغتها الدينية لتحل محل الأحزاب العلمانية التقليدية وتصبح الأكثر تأثيراً في الأوساط الاجتماعية والسياسية الإسرائيلية، وتتمكن من اختراق مؤسسات الدولة المختلفة، بخاصة المؤسسات الأمنية والعسكرية، بعدما كانت سابقاً الحركات الدينية اليهودية الأرثدوكسية (وما يزال بعضها) تستنكف عن الدخول في المؤسسات الأمنية والعسكرية، فيما يعكس تحولاً كبيراً في السياسات الإسرائيلية.
إذن، وهنا بيت القصيد، التقاء نموذج ترامب- نتنياهو ليس مسألة شخصية أو سيكولوجية بل هي نتاج ثقافي اجتماعي سياسي، بمثابة سياقات جديدة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، طوّرت ونقلت العلاقة بين الدولتين إلى مرحلة جديدة تجلت بعد الحرب على غزة، على أكثر من صعيد، منها ما يتعلّق بالحرب على إيران، إذ هي المرّة الأولى التي تدخل فيها الدولتان بصورة مشتركة ومباشرة حرباً موحدة على إيران (الحالة السابقة كانت في العدوان الثلاثي البريطاني- الفرنسي- الإسرائيلي على مصر، ووقفت أميركا ضد تلك الحرب، ومنها ما يتعلّق بمستوى الاندماج والتماهي العسكري بين الطرفين في إدارة الحروب والتمازج الكبير في أجندتهما تجاه الشرق الأوسط، وتبني اليمين الأميركي (حول ترامب) لإطروحات اليمين الديني الإسرائيلي، وفي قلب ذلك معركة الضفة والقدس (يهودا والسامرا- وفق ما أصبح يطلق عليها في الخطابات الرسمية الأميركية الجديدة)، ولعلّ معركة الضم والقدس لم تأتِ بعد وستكون أكثر رمزية وخطورة على صعيد الأمن الإقليمي.
في الخلاصة كما يصل إلى ذلك عدد من المحللين الإسرائيليين، فإنّ المرحلة الجدية في العلاقة ما بين أميركا وإسرائيل هي أكثر قوة من كل ما سبق، لكن الاختلافات بدت واضحة بين نتنياهو وترامب بعد الحرب على إيران، بخاصة مع التقارير الأميركية التي تؤكد أنّ الأخير أخذ قرار الحرب بناءً على قراءة من نتنياهو، وهو يشعر بمأزق شديد حالياً، ولديه مشكلة في إقناع نتنياهو بشمول وقف إطلاق النار الجبهة اللبنانية، في الوقت الذي يشعر فيه نتنياهو – هو الآخر- أن لديه مشكلة في قرار وقف الحرب وفي المعادلة الداخلية، مما يؤكد ولا ينفي أنّ هنالك حالة من التوتر المكبوت بين الاثنين ربما نفّست عنه المكالمة الأخيرة بينهما.