اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

موفق ملكاوي : وهم الحقيقة المطلقة للتاريخ

موفق ملكاوي : وهم الحقيقة المطلقة للتاريخ
أخبارنا :  

في روايته العبقرية، «قصة حصار لشبونة»، يلجأ الروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو إلى حكاية بسيطة لنقد سرديات التاريخ، إذ يجعل بطل روايته ريموندو سيلفا، الذي يعمل مصححا لغويا بإحدى دور النشر في لشبونة، يرتكب خطأ يبدو بسيطا، أثناء مراجعته كتابا تاريخيا عن حصار لشبونة سنة 1147، وهو الحدث الذي انتهى بسيطرة المسيحيين على المدينة بمساعدة الصليبيين القادمين من شمال أوروبا.

 


سيلفا، وفي الموضع الذي يقول فيه المؤرخ إن الصليبيين وافقوا على مساعدة البرتغاليين في حصار المدينة، يضيف كلمة «لا»، فتصبح الجملة: «الصليبيون لم يساعدوا البرتغاليين»، ليغير حقيقة تاريخية مستقرة منذ قرون.

حين تكتشف دار النشر التعديل، لا يتم فصل سيلفا، وإنما تعين مشرفة جديدة لمتابعة عمله، وهي التي تقترح عليه أن يسير في كتابته الجديدة، ويكتب رواية استنادا إلى هذا التغيير، واختبار ماذا كان سيحدث لو أن الصليبيين حقا لم يساعدوا البرتغاليين في حصار لشبونة.

يبدأ سيلفا بكتابة تاريخ بديل، فيعيد تخيل أحداث الحصار، وبدلا من الرواية التاريخية الرسمية، يصنع عالما آخر تتغير فيه الوقائع والعلاقات الإنسانية والنتائج المحتملة، يركز فيه على القادة والجنود والناس العاديين، وعلى تفاصيل الحياة اليومية أثناء الحصار، فيتحول التاريخ من سجل للانتصارات العسكرية لمادة إنسانية مليئة بالخوف والرغبات والحب والجوع والأمل، فتظهر شخصيات متخيلة تمنح الحدث التاريخي وجها إنسانيا، وتكشف أن جزءا كبيرا من التاريخ تصنعه اختيارات الأفراد البسطاء.

ساراماغو يعمد إلى التشكيك في فكرة أن التاريخ الذي نقرأه هو الحقيقة المطلقة، ما دام أنه مادة يكتبها البشر، وهم يختارون ما يروونه وما يهملونه، وبالتالي فإن أي رواية تاريخية هي في جانب منها بناء سردي وليست مرآة كاملة للواقع.

لا يقدم ساراماغو الخيال بوصفه نقيضا للحقيقة، فأحيانا يستطيع الخيال كشف جوانب من التجربة الإنسانية تعجز الوقائع المجردة عن إظهارها، لتنتهي الرواية من دون تقديم إجابات قاطعة حول ما هو «التاريخ الحقيقي» وما هو «التاريخ المتخيل»، فساراماغو ليس معنيا بإثبات صحة رواية ضد أخرى، وإنما يهتم بإظهار أن كل رواية للتاريخ هي اختيار وتأويل.

بعيدا عن الرواية، فإن جرأة شخص عادي على التشكيك في حقيقة تبدو ثابتة، تكشف هشاشة اليقين المحيط بها، فالحقائق قد لا تستمد قوتها دائما من برهانها، وإنما من طول بقائها وتكرارها، ومن السلطة التي تحرسها، وإخضاع الناس لها حتى تصبح مألوفة أكثر مما هي مبرهنة.

نقض «الحقيقة» يحتاج إلى الجرأة كشرط أساسي لتقدم المعرفة، فكل تحول كبير في العلم والفكر والسياسة بدأ غالبا بسؤال بدا في لحظته خروجا على البداهة، ولكن مع مثابرة المعنيين بالمعرفة، ترسخت تلك الأسئلة، وتحولت إلى إجابات فتحت الباب أمام معرفة جديدة.

الشك لا يمكن اعتباره تخريبا للحقيقة، وإنما هو اختبار لها، والحقيقة التي لا تحتمل السؤال هي سلطة متنكرة في هيئة حقيقة. لكن لا يمكن اعتبار كل تشكيك فضيلة، فهناك فارق كبير بين الشك النقدي والشك العبثي، وبين السؤال المطروح للفحص والمقارنة والبحث عن الدليل، والقبول بالتراجع إذا ظهر له خطؤه، والسؤال العبثي الذي تحركه الرغبة في الهدم، خصوصا حين يمارسه شخص بلا أدوات، أو حين يصبح مجرد رغبة في مخالفة السائد وصناعة المؤامرات.

المفارقة أن الشخص العادي قد يكون ضروريا لكسر احتكار النخب للحقيقة، لكنه قد يكون أيضا خطيرا إذا ظن أن مجرد الاعتراض معرفة، وأن ممارسة الشك ترتقي لأن تكون برهانا، فالحقيقة الثابتة تحتاج منهجا أقوى منها، وليس صوتا عاليا لهزيمتها.

الأهم، أن المجتمع عادة لا يخاف من الخطأ بقدر ما يخاف من السؤال الذي يزعزع نظاما كاملا من المصالح والطمأنينة، خصوصا حين تكون الحقيقة الثابتة جزءا من إجماع وهوية جماعة، أو شرعية مؤسسة، أو سلطة دينية، فمن يشكك فيها يتم التعامل معه غالبا بوصفه مهددا للانسجام والاستقرار، وليس باحثا عن معنى.

الخرافات تملأ المحيط حولنا، ولكن لا يمكن اعتبار كل حقيقة مستقرة وهما، فبعض الحقائق صمدت أمام الاختبار، وليس من الحكمة أن نساوي بين الحقيقة الراسخة والخرافة الراسخة. هناك حقائق علمية وتاريخية وأخلاقية دفع البشر ثمنا طويلا للوصول إليها، والتشكيك العشوائي بها قد يعيدنا إلى ما قبل المعرفة.


مواضيع قد تهمك