د. محمد صبحي العايدي : الثقافة (2): التعليم المهني خيار إستراتيجي لا ثانوي
لا تواجه المجتمعات أزمتها دائماً في نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، بل قد تكمن أزمتها الحقيقية في الثقافة التي تشكل وعيها الجمعي، وتحدد نظرتها إلى العمل والنجاح والمستقبل، فالمجتمعات لا تتقدم عندما تفتح أبواب التعليم فحسب، بل عندما تعيد بناء وعيها تجاه قيمة الإنتاج والمهارة والمسؤولية.
ولعقود طويلة ارتبط النجاح في الوعي الجمعي بمسار أكاديمي واحد، حتى ترسخت لدى الكثير من الأسر قناعة مفادها أن مستقبل الأبناء لا يتحقق إلا عبر بعض التخصصات الجامعية التقليدية، بينما يجري النظر إلى التعليم المهني بوصفه خياراً ثانوياً أو بديلاً، لمن لم يتمكن من الالتحاق بالمسارات الأكاديمية الأخرى، ولم يكن هذا التصور ناتجاً عن دراسة علمية لاحتياجات الاقتصاد، أو متطلبات سوق العمل، بقدر ما كان انعكاساً لثقافة اجتماعية، تراكمت عبر سنوات طويلة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم : كيف نبني ثقافة جديدة تجعل من التعليم المهني خياراً واعياً، وقناعة راسخة لدى الطلبة وأسرهم؟ فإذا كانت الثقافة كما بينا في المقال السابق: هي السلوك الواعي القائم على المعرفة، فإن بناء ثقافة التعليم المهني لا يقتصر على تعريف الطلبة بالتخصصات المتاحة، بل يتطلب أيضاً تمكينهم من فهم ذواتهم وقدراتهم، وفهم التحولات الكبرى، فالثقافة ليست مجرد امتلاك المعلومة، وإنما القدرة على تحويلها إلى قرار واع، وسلوك مسؤول.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية مشروع التعليم المهني والتقني الحديث في الأردن، ولا سيما نظام (BTEC)، الذي يمثل نقلة نوعية في فلسفة التعليم، من خلال ربط المعرفة بالتطبيق، والتعليم بالإنتاج، والمهارة بمتطلبات الحياة العملية، وهي رؤية وطنية تستحق التقدير، لأنها تسعى إلى بناء جيل يمتلك المعرفة والمهارة معاً، ويكون أكثر قدرة على المنافسة في اقتصاد عالمي يتغير بوتيرة متسارعة.
في هذا السياق لا بد من الإشادة بالجهود الذي تقوم بها وزارة التربية والتعليم ممثلة بوزيرها د.عزمي محافظة، والأمين العام للتعليم المهني د.محمد غيث، في نشر ثقافة التعليم المهني، وتعزيز حضورها في الوعي المجتمعي، وتطوير البرامج والتخصصات، وبناء الشراكات مع القطاع الخاص، بما يسهم بربط التعليم باحتياجات التنمية، وسوق العمل.
إن التحدي الأكبر لا يكمن في الطالب وحده، بل في الثقافة التي تحيط به داخل الأسرة والمجتمع، فكثير من الآباء والأمهات ما زالوا ينظرون إلى التعليم المهني من خلال صور ذهنية قديمة لم تعد موجودة في الواقع، ولذلك فإن أي مشروع وطني لتطوير التعليم المهني يجب أن يبدأ بتوعية الأسرة قبل الطالب، لأن قرار اختيار المسار التعليمي في الصف التاسع، ليس قراراً دراسياً فحسب، بل قرارا مرتبطا بمستقبل الإنسان المهني والاقتصادي.
وتشير التقارير الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نحو 22 % من الوظائف الحالية ستشهد تغيراً جوهرياً، أو ستختفي بحلول عام 2030، نتيجة التحولات التقنية والرقمية المتسارعة، وهذا المؤشر يؤكد أن العالم يتجه بصورة متسارعة نحو اقتصاد المهارات والكفايات، وأن المستقبل سيكون أكثر ارتباطاً بالقدرة على الإبداع والتكيف، وحل المشكلات، منه بالاعتماد على المسميات الوظيفية التقليدية.
ومن هنا فإن تعزيز المنظومة التوعوية في التعليم المهني يمثل مشروعاً وطنياً بامتياز، لأنه يسهم في بناء سلوك واع لدى الطالب وولي أمره، عند اختيار التخصص المناسب، ومعرفة ميول الطالب والقدرات الشخصية، وفهم احتياجات السوق المستقبية من جهة أخرى، ولذلك من الضروري تطوير منظومة وطنية متكاملة للتوجيه المهني، تبدأ من المدرسة، وتستمر في الزيارات الميدانية، والمعارض التفاعلية، والمنصات الرقمية، والاختيارات المهنية.
وعندما يصبح الطالب قادراً على الربط بين شغفه الشخصي، وفرص المستقبل، نكون قد نجحنا في تحويل المعرفة إلى ثقافة، والثقافة إلى سلوك، والسلوك إلى قرار مسؤول، يسهم في بناء الإنسان والوطن معاً.
ومن هنا فإن نجاح مشروع التعليم المهني لا يقاس بعدد الملتحقين فقط، بل بمدى قدرتنا على بناء ثقافة مجتمعية جديدة تحترم العمل والانتاج والمهارة، ونجعل من اختيار التخصص قرارا واعيا يقوم على المعرفة والاقتناع والمسؤولية، عندها يتحول التعليم المهني من مجرد مسار تعليمي إلى ثقافة وطنية تسهم في تحقيق التوازن بين طموحات الأفراد واحتياجات التنمية وتساعد على بناء اقتصاد منتج قائم على الكفاءة والمهارة والوعي.
*باحث في الفكر الإسلامي