“القدس العربي” توثّق الإعدامات التي تنفذها مليشيات غزة المتعاونة مع الاحتلال
في الأزقة المدمرة شرق مخيم المغازي، لا تبدو المنازل الخالية مجرد بيوت هجرها أصحابها تحت القصف، بل أماكن تحمل روايات ثقيلة عن الخوف والقتل والتحقيقات السرية. هنا، حيث فر السكان بحثاً عن النجاة، ظهرت مجموعات مسلحة محلية مساندة للاحتلال الإسرائيلي، لتفتح فصلاً جديداً من الرعب داخل الأحياء المنكوبة.
"القدس العربي” سألت غزّيين تحدثوا عما جرى بالتفصيل.
بدأت الحكاية في السابع من نيسان/ أبريل الماضي، عندما دخلت مليشيات شوقي أبو نصيرة إلى شرق المخيم في محاولة للتمركز داخل المناطق السكنية.
شهادات من شرق المغازي توثق اقتحامات واختطافات طالت المدنيين في منازلهم
وجد الأهالي الذين خرجوا لمنع دخول المسلحين إلى منازل المدنيين أنفسهم أمام مواجهة دامية انتهت بمقتل 12 شخصاً خلال ساعات قليلة، فيما تحولت شوارع المخيم إلى ساحة خوف وفوضى.
ورغم انسحاب تلك المجموعات بعد الحادثة، فإن السكان يقولون إن شعوراً ثقيلاً ظل يلاحقهم منذ ذلك اليوم.
فالخوف لم يكن فقط من عودة التوغل، بل من تحول البيوت المهجورة إلى مقار تستخدم بعيداً عن أعين الناس، وهو ما تحقق بالفعل مع فجر يوم وقفة عرفة، الموافق السادس والعشرين من أيار/ مايو، حين عادت المجموعات نفسها بصورة خفية إلى المنطقة، مستغلة هدوء الفجر.
وبحسب شهادات متقاطعة، تحصن المسلحون داخل منزل المواطن إياد عبد الجواد، الخالي من السكان، قبل أن يتحول المنزل خلال ساعات إلى ما يشبه مقراً مغلقاً للتحقيق والاحتجاز والإعدام.
فسكان الحي تحدثوا عن أصوات إطلاق نار وصراخ وتحركات مسلحة داخل المنزل، فيما فرض الخوف حالة من الصمت على المنطقة، ومنع كثيرين من الاقتراب أو حتى السؤال عما يجري.
إعدام بشع
وعند الساعة السابعة صباحاً، كانت أزقة شرق مخيم المغازي شبه خالية إلا من أصوات متقطعة لحركة مسلحة انتشرت. ففي تلك اللحظات، استخدمت مجموعات من المليشيات سلماً حديدياً للصعود إلى منزل المسن عبد الرحمن الشنطي، بعد فرض طوق أمني على المنطقة ومنع السكان من التنقل أو التدخل.
وبحسب إفادات سكان محليين وشهود من المنطقة، فقد جرى اقتحام المنزل بشكل مفاجئ، حيث أُجبر عبد الرحمن على إجراء مكالمة هاتفية مع ضابط المخابرات.
"تحصن المسلحون داخل منزل المواطن إياد عبد الجواد، الخالي من السكان، قبل أن يتحول المنزل خلال ساعات إلى ما يشبه مقراً مغلقاً للتحقيق والاحتجاز والإعدام”
وخلال المكالمة، طُرحت عليه أسئلة تتعلق باسمه الكامل ورقم هويته وتفاصيل عمله السابق، قبل أن يتم التحقق من بياناته الشخصية. وبعد انتهاء الاتصال، طُلب منه البقاء داخل منزله وعدم مغادرته، مع إلزامه بإغلاق هاتفه وعدم استخدامه حتى الساعة الحادية عشرة صباحاً، قبل أن تغادر المجموعة المكان وتتركه تحت المراقبة.
وفي المنزل المجاور على الشارع نفسه، نفذت مجموعة أخرى اقتحاماً عنيفاً لمنزل عائلة عبد الله البشيتي. ووفق شهادات من سكان المنطقة، فإن المسلحين قاموا بتفتيش المنزل بشكل سريع قبل أن يقتادوا أبناء العائلة الثلاثة بالقوة إلى جهة غير معلومة. وخلال عملية الاقتحام، وجه أفراد المجموعة تهديدات مباشرة إلى الأسرة، حيث أبلغوا والد الشاب صالح البشيتي بلهجة حادة أن هذه ستكون المرة الأخيرة التي يرى فيها ابنه.
وفي الساعات التي تلت الاقتحام، أفاد سكان كانوا موجودين داخل منازلهم بأنهم سمعوا صرخات استغاثة وأصواتاً صادرة من المنطقة التي تمركزت فيها المجموعات المسلحة. واستمرت هذه الأصوات لفترة من الوقت، وسط حالة من الذعر والخوف من الاقتراب أو محاولة معرفة ما يجري، في ظل انتشار المسلحين داخل المنطقة الشرقية.
"جرى اقتحام المنزل بشكل مفاجئ، حيث أُجبر عبد الرحمن على إجراء مكالمة هاتفية مع ضابط المخابرات”
وبعد نحو ثلاث ساعات، انسحبت المجموعات المسلحة من المنطقة بشكل مفاجئ، ما دفع السكان إلى الخروج بحذر شديد لتفقد ما جرى والبحث عن المختطفين. وخلال عملية البحث، عُثر على الشاب صالح البشيتي داخل أحد المنازل وقد فارق الحياة، حيث كان مشنوقاً بقطعة قماش، وظهرت عليه آثار إصابات جسدية بالرصاص، وعلامات تشير إلى تعرضه لعنف شديد قبل وفاته، بحسب ما أفاد به سكان محليون.
وتشير إفادات السكان إلى أن جثمان الشاب كان ملقى داخل المكان بعد انسحاب القوة المهاجمة، في حين بقي مصير شقيقيه الآخرين غير معروف حتى لحظة إعداد هذه المادة.
"اقتادوا أبناء العائلة الثلاثة بالقوة إلى جهة غير معلومة”
ويؤكد شهود: "بعد أن عذبوا صالح وتأكدوا من وفاته، اتصلوا بوالده قائلين: تعال وخذ ابنك، وكما أخبرناك سابقاً، فهذه آخر مرة تراه فيها”.
وتثير هذه الحادثة حالة من القلق المتزايد لدى الأهالي بشأن ما يجري داخل المنازل المهجورة في شرق المغازي، والتي يقول السكان إنها تحولت في بعض الحالات إلى أماكن مغلقة يجري فيها احتجاز أشخاص والتحقيق معهم بعيداً عن أي رقابة أو إجراءات قانونية واضحة.
وتبقى هذه الوقائع محل متابعة من سكان المنطقة، في ظل ظروف أمنية معقدة تجعل الوصول إلى معلومات دقيقة أو توثيق كامل لما حدث أمراً بالغ الصعوبة.
بدم بارد
وفي الفترة الزمنية نفسها التي شهدت اقتحام عدد من المنازل في شرق المخيم، دخلت مجموعة أخرى من المليشيات إلى منزل عائلة أبو شحادة. وبحسب إفادات سكان من المنطقة، حاول أحد أفراد العائلة الاعتراض على دخول المسلحين إلى المنزل، موضحاً أن بداخله نساء وأطفالاً، وأن حرمة البيوت يجب أن تُحترم، إلا أن حديثه قوبل برد قاس من أحد العناصر المسلحة الذي أشهر سلاحه في وجهه وهدده بشكل مباشر، قائلاً إن رصاصة واحدة ما زالت كافية لإنهاء حياته إذا واصل الاعتراض أو طرح الأسئلة.
"أبلغوا والد الشاب صالح البشيتي بلهجة حادة أن هذه ستكون المرة الأخيرة التي يرى فيها ابنه”
وسادت أجواء من التوتر والخوف داخل المنزل، بينما كان أفراد العائلة يتابعون ما يجري دون القدرة على التدخل. ولم يتوقف الأمر عند التهديد، إذ أخرج أحد المسلحين سيجارة وأجبر الرجل على تدخينها، ثم ألزمه بالإفطار رغم أنه كان صائماً في يوم عرفة. ووفق شهادات من سكان المنطقة، فقد شكل ذلك المشهد حالة من الإذلال المتعمد وإظهار السيطرة على أفراد العائلة الذين وجدوا أنفسهم محاصرين داخل منزلهم وتحت رحمة السلاح.
وفي الجهة المقابلة من الشارع، كانت عائلة المغاري تعيش ساعات مختلفة، لكنها لم تكن أقل قسوة. فداخل المنزل، تجمع عدد من أفراد العائلة في محاولة للبقاء معاً وسط حالة التوتر التي اجتاحت الحي مع انتشار المسلحين. وكان أفراد الأسرة يتابعون بقلق ما يجري في الخارج، بينما كان الأطفال والنساء يحاولون الاحتماء داخل المنزل أملاً في تجاوز تلك الساعات بسلام.
"عُثر على الشاب صالح البشيتي داخل أحد المنازل وقد فارق الحياة، حيث كان مشنوقاً بقطعة قماش”
لكن الهدوء الحذر الذي خيم على المنزل لم يدم طويلاً، ففي لحظة مفاجئة استهدفت طائرة استطلاع المنزل بصاروخ مباشر أدى إلى تدمير أجزاء منه وسقوط عدد من الضحايا. وأسفر القصف عن استشهاد عدد من أفراد العائلة، من بينهم يوسف وابن عمه فادي المغاري، إضافة إلى إصابة آخرين كانوا داخل المنزل وقت الاستهداف.
وكان استشهاد يوسف من أكثر الأحداث التي تركت أثراً مؤلماً بين أقاربه وسكان المنطقة. فقبل أسابيع قليلة فقط، وتحديداً في السابع من أيار/ مايو، شارك يوسف في حفل زفاف شقيقه الأكبر، الذي أقيم وسط ظروف الحرب والنزوح. ورغم قسوة الواقع آنذاك، حاولت العائلة التمسك بلحظة فرح نادرة. وفي لفتة حملت كثيراً من الأمل، وضع شقيقه صورة يوسف على بطاقة الزفاف وكتب إلى جانبها عبارة "العريس القادم”، في إشارة إلى أن دوره في الفرح سيأتي قريباً.
غير أن الحرب كانت أسرع من الأحلام، فالشاب الذي ظهر على بطاقة الدعوة بوصفه صاحب الفرح المقبل، لم يمض على تلك المناسبة أكثر من عشرين يوماً حتى استشهد في القصف، وتحولت الصورة التي حملت وعداً بمستقبل ينتظره إلى ذكرى موجعة يتداولها أقاربه وأصدقاؤه بعد رحيله.
وبين منزل اقتحمته المليشيات وفرضت فيه التهديدات بالقوة، ومنزل آخر استهدفه صاروخ أودى بحياة من بداخله، عاش سكان شرق المغازي ساعات يصفها كثيرون بأنها من أكثر الساعات قسوة ورعباً، حيث اجتمعت مشاهد الخوف والتهديد والفقدان في مكان واحد وخلال وقت قصير، تاركة وراءها قصصاً ما زالت حاضرة في ذاكرة من عاشوها وشهدوا تفاصيلها.