أ. د. عادل الهاشم : التعداد السكاني في عصر التحول الرقمي
في كل مرة يُطرح فيها موضوع التعداد السكاني يعود إلى الذاكرة ذلك المشهد التقليدي المعروف لفرق العمل وهي تنتقل بين المنازل لجمع البيانات وهذا المشهد الذي ارتبط لعقود طويلة لا يزال حاضرًا حتى يومنا هذا رغم كل ما يشهده العالم من تطور رقمي متسارع غيّر طريقة إدارة المعلومات بشكل جذري. ورغم أن التعداد الميداني ما زال يُعد من أكثر الأساليب دقة في حصر السكان إلا أنه يطرح في المقابل تساؤلات واقعية حول جدوى الطرق التقليدية في زمن أصبحت فيه البيانات تُنتج وتُحدّث بشكل مستمر داخل الأنظمة الإلكترونية ، فالمؤسسات اليوم لا تنتظر سنوات طويلة لمعرفة التغيرات بل تمتلك تدفقًا يوميًا من المعلومات يمكن أن يعكس جزءًا كبيرًا من الواقع السكاني إذا تم تنظيمه وربطه بشكل صحيح. ومن الناحية العملية لا يمكن إنكار أن التعداد الميداني ما زال ضروريًا ليس فقط لأنه شامل بل لأنه يكشف تفاصيل قد لا تظهر في أي قاعدة بيانات رسمية فهناك فئات أو حالات اجتماعية قد لا تكون مسجلة بدقة في الأنظمة الإلكترونية كما أن بعض التغيرات مثل التنقلات السكنية أو التغير في التركيبة الأسرية قد لا يتم تحديثها فور حدوثها وهذه الفجوات تجعل من العمل الميداني عنصرًا مهمًا لا يمكن الاستغناء عنه في الوقت الحالي.
لكن في المقابل يمكن ملاحظة أن الاعتماد الكامل على الأسلوب التقليدي لم يعد مناسبًا لحجم التعقيد والسرعة التي تتطلبها إدارة الدولة الحديثة فالتعداد الشامل كل عدة سنوات يعني أن جزءًا كبيرًا من البيانات يصبح قديمًا بسرعة في وقت تحتاج فيه الحكومات إلى معلومات أكثر حداثة لاتخاذ قرارات تتعلق بالخدمات والبنية التحتية والتعليم والصحة. ومن هنا يظهر التحول التدريجي نحو نماذج أكثر مرونة تقوم على الاستفادة من السجلات الإدارية والأنظمة الرقمية الموجودة أصلًا لدى المؤسسات المختلفة فبيانات الأحوال المدنية والخدمات الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي وغيرها تشكل في مجموعها قاعدة ضخمة يمكن أن تسهم في بناء صورة سكانية شبه لحظية إذا تم ربطها بشكل فعّال.
كما ان التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر البيانات بل في قدرتها على العمل ضمن منظومة واحدة متكاملة فغياب الترابط بين قواعد البيانات واختلاف طرق التحديث بين المؤسسات يجعل الصورة النهائية غير مكتملة في كثير من الأحيان وقد يبدو الأمر بسيطًا لكنه في الواقع يؤثر بشكل مباشر على دقة الإحصاءات وقدرة الدولة على التخطيط السليم. وعلى سبيل المثال قد يتم تسجيل تغيير في مكان الإقامة أو الحالة الاجتماعية في جهة معينة بينما لا ينعكس هذا التغيير في جهات أخرى إلا بعد فترة زمنية طويلة وهذه الفجوات الزمنية في تحديث البيانات قد تبدو صغيرة على مستوى الفرد لكنها على مستوى التخطيط الوطني تُحدث فرقًا واضحًا في تقدير الاحتياجات وتوزيع الموارد.
ولهذا بدأت العديد من الدول تتجه نحو ما يُعرف بالتعداد الهجين وهو نموذج يجمع بين الاعتماد على البيانات الإدارية بشكل أساسي مع إجراء مسوحات ميدانية محدودة تستهدف التحقق من صحة البيانات ومعالجة الفجوات هذا النموذج لا يلغي العمل الميداني لكنه يعيد تعريف دوره ليصبح أداة تدقيق وتحديث وليس المصدر الوحيد للمعلومات. ومن وجهة نظر عملية يمكن اعتبار هذا النموذج خطوة واقعية في طريق التحول الرقمي لأنه يوازن بين الدقة التي يوفرها العمل الميداني والسرعة والكفاءة التي توفرها الأنظمة الرقمية كما أنه يقلل من التكاليف والجهد البشري المرتبط بإجراء تعداد شامل كامل كل فترة زمنية.
كما أن بناء الثقة بين المواطن والنظام الرقمي يمثل عنصرًا أساسيًا في هذا التحول، ويمكن القول إن مستقبل التعدادات السكانية لن يكون إلغاءً كاملاً للنموذج التقليدي ولا اعتمادًا مطلقًا على النموذج الرقمي بل هو مسار تراكمي يجمع بين الاثنين فالمطلوب هو بناء منظومة ذكية قادرة على تحويل البيانات من مجرد أرقام تُجمع كل عدة سنوات إلى مورد حيّ يتجدد باستمرار ويخدم التخطيط وصناعة القرار بشكل أكثر دقة ومرونة بما يواكب متطلبات الدولة الحديثة.