اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. محمد بزبز الحياري : حائية جرير وقصتها

د. محمد بزبز الحياري : حائية جرير وقصتها
أخبارنا :  

توطئة


قديما كان الشاعر هو الاعلامي، وعموما اذا نظرنا بالعلاقة ما بين السياسي والإعلامي وعلى مر الزمان، نجدها علاقة "اعتماد متبادل" (منفعة مشتركة) تحكمها المصالح والمهنية؛ فالسياسي يحتاج الإعلامي للوصول للناس، والإعلامي يحتاج السياسي كمصدر للمعلومات وللحماية، ومع ذلك، فهي علاقة شديدة التعقيد تتأرجح بين التحالف الذي يصل لحد( التواطؤ)، هذا من ناحية، ومن ناحية ٱخرى، تنافر قد يصل لمستوى التنافس وحتى العداء، حيث يسعى الأول للترويج لصورته وقراراته وانجازاته وتوجيه الرأي العام، بينما يسعى الثاني لكشف الحقائق والمساءلة، وما ينطبق على الاعلامي حاليا، ينطبق على الشاعر قديما الى حد كبير، فنرى ان السياسي ( الخليفة او الوالي) يقرب الشعراء لمجلسه ويغدق عليهم للاسباب التي ذكرناها اعلاه، وكذلك يتقرب الشاعر من السياسي للحماية والتكسب بالاضافة لما اسلفنا.


هذه الحائية التي قيلت في حضرة عبدالملك ابن مروان الخليفة الاموي الاشهر والاقوى بعد المؤسس معاوية، كانت هي السبب الحقيقي لميلاد شاعر ( اعلامي ) من الطراز الاول، وأي شاعر؟...انه جرير الذي ملأ الدنيا وما زال, وسيبقى، حتى انه سُجِل باسمه اشهر بيوت الشعر التي ما زالت خالدة، فقال أمَرٌ بيت قالته العرب في الهجاء، بالرد على الراعي النميري عندما هجاه:

فغض الطرف انك من نمير

فلا كعبا بلغت ولا كلابا

اما في الغزل فقال:

ان العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

وفي الفخر قال:

اذا غضبت عليك بنو تميم

حسبت الناس كلهم غضاب

وفي الرثاء:

لولا الحياء لهاجني استعبار

ولزرت قبرك والحبيب يزار

وفي الوفاء قال في الفرزدق، عدوه اللدود(ادبيا)بعد ما بلغه خبر موته:

فَمَنْ لِذَوِي الأَرْحَامِ بَعْدَ ابْنِ غَالِبٍ

لِجَارِ وَعَانٍ فِي السَّلاَسِـلِ مُـوَّثِقِ

اما في المدح، فيعتبر النقاد والادباء ان الجواهري انتزع منه اشهر بيت بالمدح عندما قال مادحا الحسين وبني هاشم:

يابن الذين تنزلت ببيوتهم

سور الكتاب ورتلت ترتيلا


فهم يروا وأنا معهم، ان الجواهري تفوق على جرير ببيته الشهير الذي قاله في مدح بني ٱمية والذي سيرد بالحائية التي نحن بصددها:


الستم خير من ركب المطايا

واندى العالمين بطون راح


ولد الشاعر الاموي جرير بن عطية الخطفي المضري سنة ٣٣ه‍ ومات سنة ١١٠ه‍ عن ٧٧ عاما، ويعتبر واحدا من فحول الشعراء على امتداد تاريخ الشعر العربي ولغاية الان.

نشأ جرير في بادية نجد (منطقة اليمامة)، وعاش طفولة فقيرة تقتصر على رعي الأغنام، وبدأ قرض الشعر في سن مبكرة جداً، حيث فُطر عليه وتأثر ببيئته التي صقلت موهبته، ثم انطلق نحو الشهرة والمجد عندما غادر البادية إلى المراكز والعواصم الحضارية في العراق والشام لعرض قصائده ومدح الخلفاء والولاة، لتندلع بعد ذلك أطول المعارك الشعرية (النقائض) مع معاصريه وأهمهم الفرزدق والأخطل، لكني سأقتصر هنا على تناول حائيته في مدح عبدالملك بن مروان وقصتها والتي كانت السبب الحقيقي بشهرته وانطلاقه نحو فضاءآت اوسع من المجد ومقارعة الفحول في عصره، وأثبت انه رقم صعب، وتقدم الصفوف وليخلد مع غيره على عرش الشعر وحتى قبل عصره وإلى يومنا هذا.

والقصة ان جرير كان بالعراق، ومدح الحجاج في اكثر من قصيدة فٱعجب به الحجاج ومن شدة ولائه ( الحجاج) لامير المؤمنين عبدالملك بن مروان، اراد ان يخص الخليفة بقصيدة من قصائده ويعرفه عليه، بعد ان توافق ذلك مع رغبة جرير وإلحاحه، فأرسله مع ابنه محمد الى دمشق، وهنا لابد من التنويه لامر مهم، وهو ارسال الحجاج لجرير مع ابنه محمد ، ومحمد هذا لم يتجاوز العشرين من العمر، هنا نعرف ان الاب يفاضل بين ابنائه جيدا ويعرف قدراتهم،وطبيعة المهمات التي يوكلها لكل منهم، فسنرى بعد قليل كيف استطاع محمد بهذا السن ان يحاجج ويحاور الخليفة عبدالملك بعظمته وهيبته، وكيف استطاع اقناعه وانتزاع ما يريده منه.


وصل محمد وجرير لقصر الخلافة بدمشق فطلبوا الاذن بالدخول فَٱذِن لمحمد ولم يؤذن لجرير لا بالانشاد ولا بالدخول اصلا، وهذا دليل على ان هناك موقف مسبق للخليفة تجاه جرير حتى قبل ان يراه، وهناك سببان جوهريان لهذا الرفض اولهما سياسي، كون جرير من مضر ، وعبدالملك يعرف ان مضر تعاطفت كثيرا مع خصمه السياسي عبدالله بن الزبير عندما سمى نفسه خليفة للمسلمين على الحجاز والعراق ومصر، ووضع نفسه ندا للامويين، وثانيهما انه مدح الحجاج دون ان يمدح الخليفة وهو احد ولاته، وهنا قال محمد: يا امير المؤمنين ان العرب ستقول ان عبدك وسيفك الحجاج قد بعث لك بشاعر جزيل النظم اختصه لك ليمدحك ورددته، ثم ان هذا الشاعر يريدك ولا يريد سواك ولاذ بالحجاج وتوسل اليه من اجل ذلك، ايضا هذا الشاعر عندما مدح الحجاج لم يمدحه إلا لأن الحجاج هو من هو مع ابن الزبير، وقضائه عليه وإعادة ما استحوذ عليه من مُلك للدولة الاموية....وبالرغم من كل ذلك لم يأذن له وخرج محمد مهيضا محبطا، ولكنه لم ييأس، فعاد من غد للخليفة متوسلا ومقبلا يده ، فأذن لجرير بالدخول وعندما اراد انشاد قصيدته منعه وقال له: ما عساك ان تقول فينا بعد ما قلت بالحجاج:


من سَدَّ مُطَّلِع النفاق عليكم

ام من يقول كصولة الحجاج


ثم اردف يقول وهو غاضب ويزمجر، ان الله لم ينصرني بالحجاج، انما نصر دينه وخليفته.

ثم اكمل : الست القائل ايضا بالحجاج


ام من يغار على النساء حفيظة

إذ لا يثقن بغيرة الازواج


اغرب عن وجهي ولا تأتي مجلسي هذا.

ثم عاد محمد ابن الحجاج بعد ثلاثة ايام وقال يا امير المؤمنين ان عبدك وسيفك الحجاج ارسل اليك جرير، ولما قابلته بما قابلته به فقد طار لُبَه وحُطَّ قدره وقدر الحجاج واشمت بهم العدو، فلو لم تأذن له اصلا لكان خيرا له، وان شئت ان تذهب بذنب جرير وتلقيه علي وعلى الحجاج فنقبل بذلك ولا نبالي، وهنا نرى شدة اصرار هذا الفتى وقوة شكيمته وحجته وعدم استسلامه في سبيل انجاز المهمة التي حضر من أجلها بالرغم من صغر سنه...فأذن له وقال ادخلوه، فلما دخل، وإمعانا من عبدالملك في الانتقام من جرير منعه من انشاد قصيدته التي اعدها لمدحه( الحائية) وقال له: بل انشد ما قلت بالحجاج، فامتثل وأنشد مطأطئا، فطرده الخليفة من المجلس، فلما خرج قال جرير : يا محمد، ان عدت انا للعراق دون ان يسمع مني الخليفة وأحظى منه بجائزة، فقد سقطت ابد الدهر، ولن تقوم لي قائمة بعد الذي حدث وبعد ان ينتشر الخبر بين العرب، وما اسرع ان ينتشر، فقال له اذهب انت وعد من حيث اتيت، اما انا فباق هنا ومقيم الى ان يقضي الله امرا، فرفض محمد العودة، وعاد مرة ٱخرى للخليفة متوسلا ومقبلا يديه لدخول جرير فأذن له اخيرا، فاستئذن جرير الخليفة بالانشاد فسكت ،فلم يفهم جرير سكوته بعد الذي كان من اهانات وبقي صامتا، فبادره ابن الحجاج صائحا: انشد يا جرير انشد بالله عليك.... فقد فهم محمد سكوت الخليفة بأنه الموافقة، فأنشد هذه الحائية قبيحة المطلع( وكان جرير احيانا تخونه مطالع قصائده) فقال:


اتصحو بل فؤادك غير صاح، فقاطعه الخليفة قائلا: بل فؤادك انت وفؤاد من ارسلك، ثم أكمل جرير الى ان بلغ


الستم خير من ركب المطايا

واندى العالمين بطون راح


فطرب عبدالملك هنا وتبسم عند سماع هذا البيت وقال: بلى.... كذلك نحن...وبمثل هذا فليمدح المادحون، اعده علي، فلما رأى جرير ارتياح الخليفة وبذكائه المعهود، لم يعيد انشاد هذا البيت فقط، بل بدأ بالاعادة من وصف حال زوجته ام حزرة وشكواها من ضيق الحال وانها لاتجد ما تطعم به ابنائها وتكتفي بالماء:


تَعزَت ام حِزرة ثم قالت

رأيت الواردين ذوي امتناح

تُعلل وهي ساغبة بنيها

بأنفاس من الشُبم القِراح


فأوقفه الخليفة قائلا : أترويها مئة ناقة ام حزرة هذه لا بارك الله بك وبها؟، فرد عليه جرير مهللا فرحا: ان لم تروها مئة ناقة يا مولاي فلا أرواها الله، فأعطاه مئة ناقة من أجود الابل وأنقاها سلالة، وهذه ثروة تجعل الفقير غنيا، لكن جرير لم يكتفي بهذا فقال: يا امير المؤمنين ماذا افعل بها لوحدي وهي تتفلت مني بالفلاة، فأمر له بثمانية من الرعاة، ثم استرسل جرير قائلا، يا امير المؤمنين ام حزرة لا تستطيع حلبها لوحدها ، فقال اعطوه ثلاثة ايضا لحلبها واردف الخليفة ممازحا ، لا نفعك الله بها يا خطفي، فرد عليه جرير، بل سينفعني الله بعطية امير المؤمنين، ثم اوصى جرير لاهله وسكن دمشق واصبح من ندماء الخليفة وجلسائه واصبح شاعر (اعلامي) الخليفة والدولة.


اليكم القصيدة


أَتَصحو بَل فُؤادُكَ غَيرُ صاحِ

عَشِيَّةَ هَمَّ صَحبُكَ بِالرَواحِ


يَقولُ العاذِلاتُ عَلاكَ شَيبٌ

أَهَذا الشَيبُ يَمنَعُني مِراحي


يُكَلِّفُني فُؤادي مِن هَواهُ

ظَعائِنَ يَجتَزِعنَ عَلى رُماحِ


ظَعائِنَ لَم يَدِنَّ مَعَ النَصارى

وَلا يَدرينَ ما سَمكُ القَراحِ


فَبَعضُ الماءِ ماءُ رَبابِ مُزنٍ

وَبَعضُ الماءِ مِن سَبَخٍ مِلاحِ


سَيَكفيكَ العَواذِلَ أَرحَبِيٌّ

هِجانُ اللَونِ كَالفَرَدِ اللَياحِ


يَعُزُّ عَلى الطَريقِ بِمَنكَبَيهِ

كَما اِبتَرَكَ الخَليعُ عَلى القِداحِ


تَعَزَّت أُمُّ حَزرَةَ ثُمَّ قالَت

رَأَيتُ الوارِدينَ ذَوي اِمتِناحِ


تُعَلِّلُ وَهيَ ساغِبَةٌ بَنيها

بِأَنفاسٍ مِنَ الشَبِمِ القَراحِ


سَأَمتاحُ البُحورَ فَجَنِّبيني

أَذاةَ اللَومِ وَاِنتَظِري اِمتِياحي


ثِقي بِاللَهِ لَيسَ لَهُ شَريكٌ

وَمِن عِندِ الخَليفَةِ بِالنَجاحِ


أَغِثني يا فَداكَ أَبي وَأُمّي

بِسَيبٍ مِنكَ إِنَّكَ ذو اِرتِياحِ


فَإِنّي قَد رَأَيتُ عَلَيَّ حَقّاً

زِيارَتِيَ الخَليفَةَ وَاِمتِداحي


سَأَشكُرُ أَن رَدَدتَ عَلَيَّ ريشي

وَأَثبَتَّ القَوادِمَ في جَناحي


أَلَستُم خَيرَ مَن رَكِبَ المَطايا

وَأَندى العالَمينَ بُطونَ راحِ


وَقَومٍ قَد سَمَوتَ لَهُم فَدانوا

بِدُهمٍ في مُلَملَمَةٍ رَداحِ


أَبَحتَ حِمى تِهامَةَ بَعدَ نَجدٍ

وَما شَيءٌ حَمَيتَ بِمُستَباحِ


لَكُم شُمُّ الجِبالِ مِنَ الرَواسي

وَأَعظَمُ سَيلَ مُعتَلِجِ البِطاحِ


دَعَوتَ المُلحِدينَ أَبا خُبَيبٍ

جِماحاً هَل شُفيتَ مِنَ الجِماحِ


فَقَد وَجَدوا الخَليفَةَ هِبرِزِيّاً

أَلَفَّ العيصِ لَيسَ مِنَ النَواحي


فَما شَجَراتُ عيصِكَ في قُرَيشٍ

بِعَشّاتِ الفُروعِ وَلا ضَواحي


رَأى الناسُ البَصيرَةَ فَاِستَقاموا

وَبَيَّنَتِ المِراضُ مِنَ الصِحاحِ





مواضيع قد تهمك