اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. ختام رضوان تكتب : من يصنع شخصية الطالب: المدرسة أم الهاتف المحمول؟

د. ختام رضوان تكتب : من يصنع شخصية الطالب: المدرسة أم الهاتف المحمول؟
أخبارنا :  

د. ختام رضوان

مشرفة تربوية/ مديرية تربية الزرقاء الثانية.


في حصة صفية بإحدى المدارس الحكومية، كان معلم الصف الثامن الأساسي يشرح درساً عندما طلب من أحد الطلبة إغلاق هاتفه والانتباه إلى الشرح، فأجابه الطالب" أستاذ شرح الدرس اللي على اليوتيوب أسهل" قد يبدو هذا الموقف عابراً ويتكرر يومياً لكنه يكشف حجم التغيير الذي حدث داخل البيئة المدرسية خلال السنوات الأخيرة. فالهاتف لم يعد مجرد وسيلة ترفيه عند الطلبة، بل أصبح حاضرًا في طريقة كلامهم، وفي اهتماماتهم، وحتى في نظرتهم للمدرسة نفسها.

فقبل سنوات، كان الطالب يتأثر بمعلمه أكثر من أي شخص آخر، والمدرسة كانت تصنع جزءًا كبيرًا من شخصية الطالب، أما اليوم، فالأمر تغيّر بشكل واضح وأصبح الطالب يقضي ساعات طويلة أمام الشاشة يتابع محتوى سريعًا ومتلاحقًا، وينتقل بين عشرات المقاطع خلال دقائق، وهذا انعكس مباشرة على قدرته على صبره وتركيزه وتفاعله داخل الغرفة الصفية.

وفي كثير من المدارس الأردنية، أصبح المعلم يواجه تحديًا يوميًا في جذب انتباه الطلبة، فبعضهم لم يعد يحتمل شرحًا يتجاوز بضع دقائق دون أن يشعر بالملل، لأن الهاتف جعله يعتاد على الإيقاع السريع والصورة المختصرة حتى القراءة تراجعت عند عدد من الطلبة، وأصبح الوصول إلى المعلومة السريعة أهم من فهمها أو مناقشتها.

بالتأكيد الهاتف ليس وحده السبب، وإنما المدرسة الحكومية نفسها تواجه ضغوطًا متزايدة؛ فالصفوف مكتظة، والمناهج طويلة، والأعباء الإدارية تثقل المعلم وتجعله أحيانًا منشغلًا بإنهاء المادة أكثر من بناء العلاقة التربوية مع الطالب، وفي ظل هذا الضغط، تراجع دور النشاطات المدرسية التي كانت تمنح الطلبة مساحة للتعبير عن أنفسهم واكتشاف مواهبهم بعيدًا عن ضغط العلامات والامتحانات هذا من ناحية

ومن ناحية أخرى لا يمكن تجاهل دور الأسرة، فالبعض من الأهالي يشتكون من تعلق أبنائهم بالهواتف، لكنهم في الوقت نفسه يتركون الهاتف حاضرًا في كل لحظة داخل البيت؛ أثناء الطعام، وفي أوقات الدراسة، وحتى قبل النوم، ومع الوقت، يصبح الهاتف أقرب إلى الطالب من أي حوار عائلي أو نشاط اجتماعي حقيقي.


المشكلة الحقيقية ليست أن الطالب يحمل هاتفًا، بل أن الهاتف أصبح أحيانًا المرجع الأول لما يفكر به الطالب وما يقلده أيضًا، فالبعض من الطلبة يعرفون تفاصيل حياة مشاهير مواقع التواصل أكثر مما يعرفون عن الشخصيات العلمية أو الأدبية التي تمر عليهم في المدرسة، وربما لهذا السبب أصبح بعض المعلمين يشعرون أنهم لا ينافسون طالبًا داخل الصف، بل ينافسون شاشة كاملة بما فيها من سرعة وتشويق وتأثير مستمر، والأصعب من ذلك أن بعض الطلبة باتوا ينظرون إلى الهاتف باهتمام وصمت لا يمنحونه حتى للمعلم الذي يقف أمامهم داخل الغرفة الصفية.

ومع ذلك، ما تزال المدرسة قادرة على ترك أثر حقيقي إذا استعادت دورها التربوي والتعليمي على حد سواء، فالطالب قد ينسى معلومة دراسية بعد الامتحان، لكنه لا ينسى معلمًا احترمه أو دعمه أو شعر معه بالأمان، وهذه النقطة تحديدًا ما تزال قوة المدرسة الحقيقية مهما تغير الزمن.

لا يبدو منطقيًا أن ندخل في مواجهة مع التكنولوجيا أو أن نتعامل مع الهاتف وكأنه عدو مطلق، لأن الواقع تغيّر فعلًا، لكن الأخطر أن يتحول الهاتف إلى المصدر الأول لتشكيل شخصية الطالب، بينما يتراجع دور المدرسة والأسرة تدريجيًا، عندها لن تكون المشكلة ضعف تركيز داخل حصة دراسية فقط، بل ضعفًا في بناء جيل يعرف كل شيء عن العالم الافتراضي، لكنه يبتعد شيئًا فشيئًا عن القيم والمهارات التي تصنع الشخصية المتوازنة.



مواضيع قد تهمك