الأخبار

مثقفون يعاينون استقلال الأردن في الذاكرة الوطنية

مثقفون يعاينون استقلال الأردن في الذاكرة الوطنية
أخبارنا :  

عاين مثقفون وباحثون أكاديميون في ندوة نظمها منتدى الفكر العربي بالتعاون مع وزارة الثقافة ، في مقر المنتدى بعمان، أبرز المحطات في تاريخ الأردن القديم والحديث، واستقلال دولته الحديثة ودور ذلك في الذاكرة الوطنية.

وقال وزير الثقافة مصطفى الرواشدة في كلمة ألقاها في الجلسة الافتتاحية خلال رعايته للندوة التي حملت عنوان "من الحدث إلى السردية: استقلال الأردن في الذاكرة الوطنية"، إن الأردن ومنذ تأسيسه يمثل امتداداً لمشروع النهضة العربية، حيث تأسست الدولة الأردنية مطلع العشرينيات من القرن الماضي كدولة عربية، وعُرف جيشها باسم "الجيش العربي"، وأُطلق على حكومتها الأولى اسم "حكومة الشرق العربي" إيماناً بالهوية القومية.

ولفت الرواشدة في الجلسة الافتتاحية التي شارك فيها أمين عام المنتدى الدكتور الصادق الفقيه وقدمها المستشار الأكاديمي للمعهد العالي للفكر الإسلامي الدكتور رائد عكاشة، إلى أن الأردن بقي مخلصًا لمبادئ الثورة العربية الكبرى، والتي قادها المغفور له بإذن الله الشريف الحسين بن علي؛ بهدف توحيد العرب ونيل استقلالهم وتحقيق حريتهم.

وأكد، أن من أهم المحطات في تاريخ الوطن، هي لحظة إعلان الاستقلال التي شكلت الحدث الأبرز في تاريخ الأردن، وشكلت تحولاً جذرياً بترسيخ مبادئ العدل، والمساواة، وحرية التعبير، واحترام الرأي الآخر، وقبول التنوع والتشاركية السياسية وتكريس قيم التسامح التي ارتبطت بأخلاق الهاشميين.

وأوضح، أنه بهذا المعنى فإن الاستقلال بمفهومه الشمولي والحضاري يتجاوز التخلص من التبعية السياسية والعسكرية للأجنبي؛ ليرتبط ارتباطاً وثيقاً بمشروع النهضة العربية وبناء "إنسان المستقبل".

ونوه بأن الاستقلال تجلى في بناء المؤسسات الوطنية (التعليمية، والاقتصادية، والصحية، والأمنية والتنموية) بأيادٍ وعقول وطنية قادرة على اجتياز التحديات، لافتًا إلى أن الاستقلال لا يقتصر على البعد الوطني الجغرافي، بل يعبر عن استقلالية إرادة الأمة جمعاء في التفكير ورسم السياسات المتوازنة.

وأشار إلى دور الأردن الذي عزز الاستقلال، بدعمه للقضايا العربية، وخاصة قضية فلسطين، وما يرافقه من دفاع يقوده الهاشميين عبر تاريخهم المشرف عن حقوق الشعب الفلسطيني وحملهم لشرف الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس العربية، وحقهم في تقرير المصير، وتحقيق الدعم المطلوب في جميع المحافل الدولية الذي ينطلق من القيم الإنسانية العادلة.

وقال وزير الثقافة، إن الاستقلال يمثل العنوان الأبرز في السردية الوطنية، وهو النقطة المركزية في حكاية الأرض والإنسان، التي تكتب بدم الذين صانوا الاستقلال وحرسوا مسيرته، والتي تجسدت قيما إنسانية خلدها المبدعون في سائر الحقول الثقافية والفنية والمعرفية.

وأكد، أن مشروعَ السردية الأردنية لا يقتصر على ربط الأحداث التاريخية بالجغرافيا والتاريخِ فحسب، بل إلى قراءة النشاطات الإنسانية والتحولات التي جرَت على هذه الأرض بأبعادها كافة، وما ترَكت من علامات في كتاب الأردن، ومن أثر في وجدانِ أهله، وما أسست لحاضر الدولة ومستقبلها، مشيرًا إلى أن الأرض الأردنية شهدت على امتداد التاريخ الكثير من الحضارات الإنسانية التي تتصل بحِقب وعصور ضاربة في الزمانِ، وُصولًا إلى الدولةِ الأردنيةِ الحديثة، "وهو ما يتطلبُ إعداد محتوى شاملٍ ومتكامل يبرز هذا الغنى الحضاري والإنساني".

وفي ختام كلمته، أكد أن الاستقلال يأتي في السطر الأول من كتاب السردية الأردنية والذي يشكل ملمح الهُوية الوطنية الأردنية ويبرز عمقها التاريخي والحضاري، ويعكس مكانة الأردن التاريخية والإنسانية.

ونوّه لدكتور الفقيه في الجلسة، بأن هذا اللقاء اليوم يعتبر شديد الخصوصية بموضوعه، لاسيما ونحن مقبلون على الاحتفال بعيدي "استقلال الأردن" و"الأضحى".

ولفت إلى أن الاردن مرآة لكل المجتمعات العربية ويمثل إمتدادات لكل البلاد العربية كذلك؛ مما منحة خصوصية امتداد في كل وطنه العربي، مشيرًا إلى المشتركات من العشائر بين الأردن والأقطار العربية الأخرى ومنها السودان الذي له الكثير من التشارك العشائري والعرقي مع الأردن.

وأكد، أن هذه الامتدادات والسمات لا يمكن أن تشكك في صدقية الاردن الذي بلغ عمر دولته الحديثة 80 عامًا، وكذلك بما يمثل من امتدادات عميقة في تاريخ هذه الارض الاردنية. ولفت إلى أن السردية الأردنية ليست انغلاقًا بل هي تُعنى بشكل خاص بالارض والانسان، مؤكدًا أن الاردن لن يكون ذات عصبية مانعة وانما هو مرآة لكل الوطن العربي وله الحق أن يُعنى بسرديته التي ستبقى الحاضن للقيم العربية والاسلامية والمسيحية.

وشارك في الجلسة الرئيسة للندوة والتي أدارها مدير مديرية الدراسات والنشر في وزارة الثقافة الدكتور سالم الدهام؛ والمؤرخة الدكتورة هند أبو الشعر في ورقة حملت عنوان "نشأة الدولة الاردنية وتطور روايتها"، ورئيس الجامعة الهاشمية الأسبق الباحث الدكتور فواز عبدالحق بورقة معنونة بـ"السردية الوطنية: المفهوم والتشكل" ورئيس جامعة اليرموك الأسبق وعالم الآثار ورئيس اللجنة الفنية لمشروع توثيق السردية الأردنية الدكتور زيدان كفافي بورقة بعنوان "أرض الأردن تكتب تاريخها" وأستاذ الأدب والنقد الحديث في الجامعة الأردنية الدكتور إبراهيم الكوفحي بورقة عنونها "السردية الوطنية في الحاضر".

وقالت أبو الشعر، إن الدولة في الأردن لم تنشأ من حالة فراغ، بل هي استمرار لفكر الثورة العربية الكبرى، وجيشها العربي استمرارًا للجيش العربي الذي تشكل في الحجاز، وإداراتها التي تأسست بيد ابن مفجر الثورة، وبمساعدة العرب الأحرار من الذين عملوا مع المغفور له بإذن الله الأمير فيصل بن الحسين في جيش الشمال، وأهلها من الذين شاركوا في دمشق بالمؤتمر العربي، وبوضع أسس الدستور.

واستعرضت في ورقتها مصادر ووثائق تأسيس الدولة الأردنية في عهد المغفور له بإذن الله الملك المؤسس عبدالله الاول، ومنها وثائق تضم الفترة ما بين عامي 1921 – 1946، وهي فترة الإمارة، والصحافة التي وثقت لهذه المرحلة قبل صدور الشرق العربي، وأرشيف الدولة، وهو ما يحتفظ به الديوان الملكي الهاشمي، ودار رئاسة الوزراء والأرشيف العسكري، وغيرها من المؤسسات الرسمية الاخرى، مشيرة إلى بناء الادارة والجيش في مرحلة التأسيس.

وقال عبدالحق، من جهته، إن السردية الوطنية تُعد من المفاهيم المحورية في الدراسات الثقافية والسياسية والتاريخية، إذ تمثل الرواية الجامعة التي تُقدِّم الأمة أو الدولة من خلالها تفسيراً لتاريخها وهويتها وقيمها ومصيرها المشترك، وهي ليست مجرد سرد للأحداث التاريخية، بل بناءٌ رمزي ومعرفي يهدف إلى خلق شعور بالانتماء والوحدة بين أفراد المجتمع.

وبين، أن مفهوم السردية الوطنية يتمثل بأنه مجموعة الروايات والرموز والخطابات التي تصوغ تصور الأمة لنفسها ولماضيها وحاضرها ومستقبلها، مستعرضًا مكونات السردية ومنها؛ التاريخ المشترك واللغة والدين أو الثقافة والذاكرة الجمعية والرموز الوطنية (العلم، النشيد، الأبطال).

وأوضح، أن السردية الوطنية تسعى إلى تعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ الانتماء والولاء للدولة، وتوحيد الجماعات المختلفة داخل المجتمع، وتفسير التحديات والصراعات التاريخية، وبناء رؤية مستقبلية مشتركة.

ولفت إلى أن السردية الوطنية لا تتشكل بصورة عفوية، بل تمر عبر عمليات تاريخية وثقافية وسياسية معقدة، ومن أهمها؛ التاريخ والأحداث المؤسسة والتعليم والمناهج الدراسية والإعلام والخطاب السياسي والأدب والفنون والذاكرة الجمعية.

أما كفافي، فأوضح أن السردية هي قصة أرض وإنسان حيث قدمت الارض جميع متطلبات ومقومات الحياة للإنسان الذي تفاعل معها وطورها لخدمته بناء على تقدمه الفكري، مشيرًا إلى أن الإنسان تواجد على أرض الأردن قبل أكثر من مليوني عام بالقرب من مصادر معيشته على شكل مجموعات بالقرب من الأحواص المائية ومنها الأزرق والجفر وبحيرة اللسان في حفرة الانهدام ووداي الحسا وكان هذا على الاغلب خلال العصور الحجرية القديمة.

ولفت إلى أن الإنسان على أرض الاردن استقر في قرى وعرف الزراعة قبل أكثر من عشرة آلاف سنة وتبعها تدجين الحيوانات قبل نحو 9 آلاف سنة وترك لنا في هذه القرى مخلفات تدل على طبيعة حياته اليومية والظروف البيئية التي تعايش معها وعاشها.

واستعرض المراحل التاريخية التي مر فيها الأردن منذ منتصف الألف الرابع قبل الميلاد مرورا بنهاية الالف الثاني وبداية الأول قبل الميلاد حينما ظهرت دولة الأمة ومنها العمونيون والمؤابيون والأدوميون ولاحقا دولة الأنباط التي اسقطها الامبراطور الروماني تراجان في عام 106 ميلادي وصولا إلى دولة الغساسنة، مشيرا الى أن "أم الرصاص/ميفعة" كانت من المراكز الدينية المسيحية الكبيرة في المنطقة.

وتحدث عن الفترات السابقة لظهور الإسلام حيثما انتشرت في الأردن الكتابات بالخطوط العربية الجنوبية والصفوية والثمودية والآرامية واليونانية واللاتينية وبعض من العربية، لافتا إلى أنه من أهم الكتابات التي كُشف عنها برديات البترا المؤرخة إلى القرن السادس الميلادي والتي يعكس مضمونها مدى التقدم الحضاري الذي وصل إليه المجتمع الغساني.

كما تحدث عن الحقبات الاسلامية التي عايشها الأردن، مشيرًا إلى القصور الأموية والقلاع والمساجد في حقبتي الأيوبيين والمماليك.

واعتبر الكوفحي الذي تحدث عن أهمية الأدب والكتابة في بلورة وصياغة مشروع الدولة الأردنية، في مداخلته، أن الحدث الأبرز المؤسس للسردية الحضارية الأردنية بشقي الحضارة: الشق المدني أو المادي، والشق الثقافي أو المعنوي، هو تأسيس الإمارة ثم المملكة وخاصة أن الملك المؤسس كان شاعرًا وأديبًا ومثقفًا، وهو ما انعكس على الشق الثاني من الحضارة الذي تجلى في تطوير التعليم والإعلام والأدب وغير ذلك مما يسهم في صياغة الوجدان الأردني.

ونوه بأن المغفور له الملك المؤسس كان داعمًا للأدب، مشيرًا إلى أن حاشيته كانت من الأدباء والشعراء ونجد في تلك المرحلة نصوصا أدبية لصياغة الوعي الوطني الأردني.

كما تحدث عن أبرز الشعراء الذين صاغوا هذا الوجدان الوطني مثل عرار (مصطفى وهبي التل) وعبد المنعم الرفاعي وحبيب الزيودي وحيدر محمود وغيرهم.

وكان الدهام قال في تقديمه للجلسة الرئيسة، إن الحديث في مفهوم الوطنية وحولها ومن دون إغراق في التنظير فهي تعني البذل والعطاء والتضحية من أجل إعلاء كلمة الوطن ورفعة شأنه ليظل حرا سيدا منيعا، والوطنية هي انصهار جميع المكونات الاجتماعية بغض النظر عن القوميات والأعراق والأديان والمذاهب والفئات والميول السياسية والأيديولوجية لصالح الوطن شعبا ومؤسسات وأرضا وقيادة، مبينا أن من كل هذا التنوع المشروع تتشكل الهوية الوطنية التي يكون الوطن ومصالحه العليا هو القاسم المشترك بين جميع أبنائه وبناته.

وأكد، أن مفهومي الوطنية والقومية لا يتناقضان البتة بل إنهما يتعالقان ويتشابكان إلى حد بعيد، بل ويلتحمان بالبعد العالمي والإنساني.

وجرى في ختام الندوة التي حضرها عدد كبير من المثقفين والكتاب والاكاديميين والمسؤولين وسفراء دول عربية شقيقة.

وكان الرواشدة افتتح قبل الندوة معرضا للصور الفوتوغرافية يسرد تاريخ الاردن الحديث منذ تأسيس الامارة في وصولا إلى الوقت الحالي في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني وما تحقق من منجزات.

--(بترا) م

مواضيع قد تهمك