حسام عايش : الدمج.. كآلية لتطوير مؤسسي
يكتسب قرار دمج المؤسستين الاستهلاكية العسكرية والمدنية اهميته الاستراتيجية، بفتحه المجال لبناء نموذج اقتصادي جديد، يقلل الازدواجية، ويرفع كفاءة الانفاق، وبحسن الاستفادة من الاصول والموارد البشرية واللوجستية.
فتشغيليا، يحقق الدمج وفورات مالية من خلال تقليل نفقات وجود شبكتين متقاربتين في الفروع والانظمة الادارية وسلاسل التوريد، وتحسينه ادارة المخزون، وتقليل الفاقد والهدر، وهي وفورات تمتد آثارها الى استقرار اسعار السلع الاساسية، وتحسين كفاءة السوق، وتعزيز القدرة الشرائية للمستهلكين.
اقتصاديا، يمثل التحول من كيانات بيع تقليدية الى منصات اقتصادية متكاملة، خطوة قادرة على تحفيز الاقتصاد الوطني وتعزيز مساهمته في النمو والتنمية، ونقل دورها كادوات فاعلة في دعم المنتجات الوطنية الصناعية والزراعية والغذائية.
لوجستيا، يربط المنتجين المحليين بسلاسل التوريد الوطنية، بما يسهم في رفع نسب الاعتماد على الإنتاج المحلي، وتحفيز الصناعات الوطنية، وتعزيز التكامل بين مختلف القطاعات الإنتاجية داخل الاقتصاد.
استثماريا، من خلال تنشيط الاستثمار والانتاج والتشغيل، عبر توفير منصات لعرض وتسويق منتجات المشاريع الصغيرة والمتوسطة الى جانب منتجات الشركات الكبرى، بما يوفر فرص الشراكة والتوسع والنمو بين اطراف العملية الانتاجية، ما يحول المؤسسة من مجرد جهة بيع استهلاكية الى اداة داعمة للاستثمار المحلي، وتحفيز النشاط الإنتاجي، وتوفير فرص العمل.
رياديا، من خلال توفير المؤسسة الجديدة-التي تمتلك الآن شبكة واسعة من الفروع ونقاط البيع وقنوات التوزيع - سوقا مستقرا للمشاريع الإنتاجية الريادية، بما يسهم في تقليل مخاطر التسويق والتوزيع التي تواجه تلك المشاريع وبالذات في مراحلها الاولى، لتتحول الى منصة داعمة لريادة الاعمال والمنتجات الناشئة، من خلال تخصيص برامج شراء وتوريد للمنتجات الجديدة؛ الامر الذي يسرع انتقال الافكار الانتاجية المبتكرة الى السوق، ويعزز فرص نموها واستدامتها.
وطنيا، من خلال التركيز على المحتوى المحلي للسلع باعتبارها انتاجا وطنيا يضاهي مثيله المستورد وربما يكون اكثر جودة في بعض الاحيان، مما يعزز التوجه نحو الانتاج الوطني، ويخفض الحاجة للاستيراد.
مؤسسيا، تقديم الكيان الموحد، حلا قابلا للتطبيق لدمج مؤسسات وهيئات حكومية مستقلة اخرى تعاني من التداخل، والازدواجية، وضعف الانجاز، لصالح مؤسسات اكثر فاعلية، واقل كلفة، واعلى انتاجة.
نجاح الكيان الاستهلاكي الجديد، مرهون اولا، بقدرته على تكريس منظومة شفافة للعمليات المختلفة فيه، تقوم على الحوكمة، والمنافسة العادلة، باستخدام منصات رقمية متطورة للشراء والتوريد، ومعايير جودة موحدة، ومنظومة قواعد واضحة تمنع الاحتكار او التحيز لكبار الموردين على حساب المنتجين والموردين الاصغر، بما يضمن تكافؤ الفرص، ويعزز الثقة والكفاءة في السوق.
ومرهون ثانيا، بتحوله الى اداة فاعلة لضبط ايقاع السوق، والحد من التقلبات السعرية، من خلال اداء دور يشبه المرجعية السعرية الوطنية للسلع والاحتياجات الاساسية عبر طرحها باسعار عادلة ومناسبة وبالذات في فترات الازمات وارتفاع اسعار الغذاء والطاقة، حيث يفترض ان تمتلك المؤسسة القدرة على التدخل السريع عبر إدارة مخزون استراتيجي موحد، والاستفادة من شبكة التوزيع الواسعة، بما يسهم في تعزيز الامن الغذائي، واستقرار الامدادات والاسعار، وحماية المستهلك.
ومرهون ثالثا، بتحوله تدريجيا الى شركة وطنية مساهمة عامة، تطرح اسهمها للمواطنين وصناديق التقاعد والضمان الاجتماعي والنقابات، ما يوفر لها مصادر تمويل جديدة تدعم التوسع والتحديث، ويؤسس لرقابة مجتمعية ومساءلة مباشرة، بما يعزز مفهوم الاستثمار الشعبي في الامن الغذائي والاستهلاكي.
فالمواطن، وعندما يصبح مساهما في مؤسسة تلعب دورا جوهريا في منظومة الامن الغذائي والاستهلاكي، فإنه لا يبقى مجرد مستهلك، بل يتحول إلى شريك في حماية السوق، وتحسين الاداء، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، بما يرسخ العلاقة بين التنمية الاقتصادية والمشاركة المجتمعية.
دمج المؤسستين الاستهلاكيتين، لا يجب النظر اليه كإجراء اداري محدود، بل
كبداية لبناء نموذج اقتصادي وطني جديد، يقوم على الجودة والانتاجية
والشفافية والكفاءة. نموذج يعيد تعريف دور الدولة ليس كتاجر او منافس
للسوق، بل كمنظم ذكي له، قادر على تحقيق التوازن بين الربحية والاستقرار
الاجتماعي والأمن الغذائي والمعيشي. ــ الدستور