الأخبار

د. هيفاء ابو غزالة : السعودية وشباب العرب .. من رحلة المشاعر المقدسة إلى مكرمة الحج

د. هيفاء ابو غزالة : السعودية وشباب العرب .. من رحلة المشاعر المقدسة إلى مكرمة الحج
أخبارنا :  

لم تكن "رحلة المشاعر المقدسة” كأحد مبادرات المملكة العربية السعودية التي انطلقت منذ سنوات مجرد برنامج عابر ضمن أنشطة العمل العربي المشترك، بل شكلت واحدة من المبادرات الإنسانية والروحية التي تركت أثراً عميقاً في ذاكرة الشباب العربي، ورسخت نموذجاً مختلفاً في كيفية الاستثمار في الإنسان العربي وتعزيز انتمائه الثقافي والديني والوجداني.

فمن خلال مجلس وزراء الشباب والرياضة العرب، وجّهت المملكة العربية السعودية مكرمة كريمة لشباب الوطن العربي، تمثلت في دعوتهم للمشاركة في رحلة إيمانية إلى الديار المقدسة، تحت شعار حمل في مضمونه الكثير من المعاني والدلالات: "رحلة المشاعر المقدسة”.

وقد عكست هذه المبادرة، منذ انطلاقها، رؤية سعودية واعية بأهمية الشباب ودورهم المحوري في بناء مستقبل الأمة، ليس فقط من خلال البرامج التنموية والتعليمية، وإنما أيضاً عبر تعميق البعد الروحي والقيمي في شخصياتهم، وتعزيز شعورهم بالانتماء لهويتهم العربية والإسلامية. فالمشاعر المقدسة ليست مجرد أماكن يؤدي فيها المسلم مناسكه، بل هي مساحة جامعة تتجسد فيها معاني الوحدة والتسامح والتجرد والمساواة، حيث يلتقي أبناء الأمة من مختلف الجنسيات والثقافات تحت راية واحدة وقيم واحدة.

ولعل من أجمل ما ارتبط بهذه المبادرة، أنها لم تتوقف عند حدود "رحلة المشاعر المقدسة”، بل تطورت إلى خطوة أكثر عمقاً وتأثيراً، تمثلت في إطلاق مكرمة خاصة تتيح لشباب الوطن العربي أداء مناسك الحج. وقد جاءت هذه الفكرة بناءً على اقتراح تقدمتُ به من خلال اشرفي على الامانة الفنية لمجلس وزراء الشباب والرياضة العرب بجامعة الدول العربية وخلال أحد اجتماعات المجلس التي عُقدت في مدينة الرياض، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل، وزير الرياضة في المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس وزراء الشباب والرياضة العرب آنذاك. وقد حمل الاقتراح رؤية تقوم على منح الشباب العربي فرصة معايشة هذه التجربة الإيمانية الكبرى، بما تحمله من قيم روحية وإنسانية ووحدوية تعزز ارتباطهم بدينهم وهويتهم العربية والإسلامية.

وما كان لافتاً ومعبّراً في ذلك الاجتماع، أن سمو الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل أبدى دعماً مباشراً وفورياً للفكرة، ووافق عليها بكل ترحيب، في موقف يعكس إيماناً حقيقياً بأهمية الشباب العربي وحرصاً صادقاً على تمكينهم من خوض هذه التجربة الروحية الفريدة. وقد شكّلت تلك الموافقة السريعة رسالة تقدير للشباب العربي، ورسالة دعم لكل المبادرات التي تعزز التقارب الإنساني والثقافي بين أبناء الأمة.

ولقد سعدت كثيراً عندما علمت من الزملاء في جامعة الدول العربية أن أول رحلة لشباب الوطن العربي لأداء مناسك الحج ستنطلق خلال موسم الحج الحالي، في خطوة تجسد انتقال الفكرة من إطار الاقتراح إلى واقع ملموس يلامس حياة الشباب العربي ويمنحهم تجربة ستبقى راسخة في ذاكرتهم ووجدانهم. فأن ترى فكرة وُلدت داخل أروقة مجلس وزاري عربي تتحول إلى مبادرة حقيقية تحمل الخير والمعنى والأثر، هو بحد ذاته مصدر فخر واعتزاز بقيمة العمل العربي المشترك حين يقترن بالإرادة والدعم الصادق.

لقد أتاحت هذه الرحلات للشباب العربي فرصة نادرة للتلاقي والحوار والتعارف، لتكون بمثابة جسر إنساني وثقافي وروحي بين أبناء الوطن العربي.إضافة الى إسهامها في تعزيز قيم الاعتدال والانفتاح والتسامح، وترسخ في نفوس المشاركين صورة حقيقية عن أهمية التضامن العربي والإسلامي في مواجهة التحديات المشتركة.

ومن هنا، فإن التقدير والاعتزاز يبقيان موصولين لصاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل، على دعمه الكريم وتفاعله الإيجابي مع هذه المبادرة، وعلى جهوده المستمرة في دعم الشباب العربي وفتح آفاق جديدة أمامهم، بما يعزز حضورهم ودورهم في بناء مستقبل عربي أكثر تماسكاً ووعياً وإنسانية.

إن "رحلة المشاعر المقدسة” ومكرمة الحج المرتبطة بها ستبقيان من المبادرات التي حملت مضموناً أعمق من عناوينها، لأنها لن تكون رحلة إلى المكان فقط، بل رحلة إلى المعنى، إلى الهوية، وإلى ذلك الشعور العميق بأن الأمة العربية، رغم كل ما تمر به، ما زالت قادرة على أن تجتمع حول قيمها الكبرى ورسالتها الإنسانية الجامعة.



مواضيع قد تهمك