د. محمد صبحي العايدي : أركان الدين (1): من العبادة إلى الحضارة
ليست أزمة التدين اليوم في العالم الإسلامي في غياب العبادة، بل في انقطاع أثرها، فالمشهد العام قد يبدو واضحاً في إقبال الناس على العبادات من صلاة وصوم وحج، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه دائماً، لماذا لا تتحول هذه الأفعال التعبدية إلى وعي أخلاقي، وسلوك منضبط وبالتالي نهضة حضارية راشدة؟
تجد البعض يقضي كثيراً من وقته في العبادة بين راكع وساجد، ولكنه لا يملك
غضبه، ولا يلين قلبه، وتجده مندفعاً بلا روية ولا تفكر، حتى لو ترتب على
اندفاعه ظلم للآخرين، كيف لمجتمع يقف بين يدي ربه كل يوم خمس مرات، ويعيش
المواسم الدينية، ويشارك فيها كالحج، ثم تجده يعاني من ضعف الأمانة، وغياب
الإتقان، وتراجع العدلة.
من المؤكد أن المشكلة ليست في العبادة، بل في تعطل مسار التحول المقصود من
التشريع، من نظام الفعل التعبدي إلى مسار التحول السلوكي، ففي التصور
الإسلامي العبادة ليست حركات وأفعال جزئية، مفصولة عن بقية أجزاء التشريعات
الأخرى، بل هي إدخال الإنسان في نظام تربوي متكامل، يعيد تشكيل داخله
وخارجه، ولهذا لا تفهم أي عبادة في بعدها العميق إلا ضمن دوائر ثلاث:
- أصلها الإيماني: بالنية والوعي والحضور.
- وصورتها: بالأداء التعبدي.
- وثمرتها: بالتحول السلوكي، ومن ثم الأخلاقي.
فإذا انفصلت العبادة عن أصلها الإيماني فقدت طاقتها، واتجاهها، وتحولت من
عبادة إلى عادة، وإذا انفصلت عن ثمرتها السلوكية والأخلاقية، تحولت إلى
ممارسة وطقس بلا روح ولا ثمرة، ومن هنا جاء التحذير القرآني من التدين
الشكلي منه قوله تعالى في أعمال الحج:» لن ينال الله لحومها ولا دماؤها
ولكن يناله التقوى منكم»، أي أن المقصود ليس الشعيرة الظاهرة، ولكن المعنى
المترتب على هذه الشعيرة.
«معادلة التحول الكبرى»، تكمن في تحويل الحركات التعبدية الجسدية، إلى طاقة
نورانية في القلب، وهذا يقضي أن تكون هذه الأفعال التعبدية مصاحبة لثلاثة
أمور:
1 - الاستعداد النفسي قبل الدخول في العبادة بالطمأنينة والسكينة.
2 - النية المخلصة الصادقة بحيث يكون الفعل مقصوداً في ذاته.
3 - القلب الواعي، فأثر العبادة على قدر الفهم والوعي والحضور فيها.
إنها ليست فكرة وعظية، بل هندسة لربط الأعمال التعبدية بثمرتها السلوكية،
فالعبادة لا تغير الإنسان تلقائياً، بل تغيره حين يدخلها بوعي التحول،
وبنية صادقة، لا بمجرد أداء الواجب، فالفرق كبير بين من يصلي أو يحج بقصد
إسقاط الفريضة فقط، ومن يصلي أو يحج لأنه يريد أن يغير من سلوكه وانضباطه،
ومن هنا يقول الفقهاء» النية تحول العادة إلى عبادة»، أي تحول الحركات
الخارجية إلى مشروع تغيير داخلي، وهنا تبدأ رحلة التغيير في مفهوم
العبادات، وليس التأثر فقط، من خلال تحول العبادة إلى سلوك يومي، تظهر
آثارها على الفرد والمجتمع.
ولكن السؤال الآخر قد يكون التغير في السلوك مؤقتاً، فكيف يتحول إلى أخلاق دائمة؟
الجواب: بالاستمرار والثبات، فحين يثبت هذا السلوك ويتحول إلى طبع راسخ،
يصبح خلقاً، ويصير جزءاً من حياة الإنسان اليومية، بلا تكلفة أو مشقة،
فالصلاة خمس مرات ليست تكراراً شكلياً، بل إعادة تشكيل الإنسان، حتى يتحول
السلوك التعبدي إلى خلق دائم، هنا يظهر معنى الحديث الشريف:» إنما بعثت
لأتمم مكارم الأخلاق»، فغاية الدين صناعة الإنسان، وليس مجرد القيام
بالأفعال المجردة من معانيها، يقول الغزالي:»المقصود من العبادات إصلاح
القلب وتطهيره من رذائل الأخلاق».
ولهذا لم تكن أزمة الأمة عبر تاريخها في قلة الشعائر، بل في انفصال الشعائر
عن آثارها، فكم من مجتمع ارتفعت فيه الأصوات بالعبادات، بينما تراجعت فيه
قيم العدل والاتقان والأمانة، وتحول التدين عند بعض الناس من مشروع تغيير،
إلى مجرد هوية اجتماعية، أو طقس موسمي.
وحين تستقر الأخلاق لا تبقى محصورة في الفرد، بل تتحول إلى نهج وقوة بناء
حضارية، فالحضارة ليست مجرد عمران مادي، بل منظومة من القيم تقوم عليها،
وتحكم حركة الإنسان، فالصدق يصنع الثقة، والعدل يصنع الاستقرار، والرحمة
تصنع التماسك، والإتقان يصنع التقدم، والأمانة تصنع الاقتصاد القوي، وهنا
يتحول فعل الإنسان من عبادة فردية إلى نهضة حضارية، وهنا تتحقق وظيفة الأمة
في قوله تعالى:» وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس».
* باحث في الفكر الإسلامي