نادية سعد الدين : في ذكرى النكبة..
لم تنفصم المقاومة قط عن مسار الصراع العربي – الصهيوني بوصفها حركة تحرر ونضالاً وطنياً وتأصيلاً لرد فعل طبيعي ضد أقانيم المُستعمِر الاستيطانية التوسعية منذ أن وطأت أقدامه أرض فلسطين قبل قرن وأربعة وأربعين عاماً مع بداية الاستيطان المُنظم عام 1882 حتى اليوم. فطالما الاحتلال موجود، ستظل المقاومة ثابثة.
إن المقاومة حركة تلقائية في المسار التاريخي، تبدأ ببداية المشروع
الاستعماري ومن رفض القهر والظلم والعدوان الذي يقوم عليه، وتستمر حتى بلوغ
الاستقلال السياسي، بدون أن يعني ذلك أنها لا تهدأ أحياناً أو لا تصاب
بالهزائم المؤقتة، لكنها لا تتوقف ولا تنتهي إلا بتحقق الغاية السياسية
المرجوة منها، وقد تـُغير أساليبها وأشكال وأدوات نضالها، ولكنها تكون آخذة
بالتصاعد من حيث نمط الوتيرة والانتشار الجغرافي.
ويُعتبر نضال الشعوب الرازحة تحت الاحتلال في سبيل مزاولة حقها في تقرير
المصير، نضالاً وحقاً مشروعاً تتضمنه الثقافات والأديان ويتفق مع مبادئ
القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، التي من أبرزها قرار الجمعية
العامة للأمم المتحدة المؤرخ في كانون الأول (ديسمبر) 1965 والقرار 2625
الصادر في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1974.
وتـُظهر خبرات التحرر الوطني والنماذج التاريخية السابقة أن الخلل في
التوازن القائم بين قوى الاستعمار والشعوب المناضلة ضدها لصالح الأولى، لم
يحلْ دون مآل المحصلة الإستراتيجية النهائية إلى صالح قوى الشعوب الساعية
إلى التحرر وتقرير المصير. فالمقاومة التي ترفع رايات حق تقرير المصير،
وتلجأ إلى صنوف مختلفة من النضال، باستطاعتها أن توقعَ خسائر ضخمة في صفوف
العدو وفي جيشه النظامي.
إذ يُؤشر النموذج العام لتطور حركات التحرر الوطني على نجاحها في تحقيق
هدف الاستقلال السياسي من المستعمِر نتيجة المسار المستمر تاريخياً
والمتصاعد موضوعياً لنضالها والذي يؤدي إلى آلية لتآكل المشروع الاستعماري
نتيجة الضرر المتزايد الذي تلحقه هذه الحركات بمستعمريها. وقد يكون هذا
الأمر محتملاً في البداية، لأن حركات التحرر تكون عند بداياتها في أضعف
مراحلها، ولأن النهب الاستعماري يعوض التكلفة، فيما قد يتصور المستعمرون أن
حركات التحرر ليست سوى ظاهرة عارضة ومؤقتة يمكن اجتثاثها من جذورها
والتفرغ بعد ذلك لجني المكاسب الاستعمارية.
إلا أن استمرار نضال حركات التحرر وتصاعده من شأنه إثبات العكس، وهنا
يلجأ المستعمِر إلى شتى صنوف التنكيل والتطرف ورفدها بمواقف سياسية بالغة
التشدد ضد مطالب تلك الحركات، أو قد ينفذ خطة إدخال الشعب الرازح تحت
الاحتلال في خلاف وانقسام داخلي أو يُسهم في تأجيجه، عندما يكتشف أن
المقاومة لن تتوقف، بما قد يلحق الضرر في حركات التحرير نفسها، ولكنها تكون
في حد ذاتها دليلاً يشي عن بداية التآكل الحقيقي في المشروع الاستعماري
عندما تبدأ تلك المواقف في التغير تحت وطأة الضغط المستمر والضربات
المتزايدة لحركات التحرر، حين تفوق تكلفة المشروع الاستعماري العائد
المترتب عليه.
وقد يستمر المُستعمِر برفض الاستجابة المطلوبة للمتغيرات الجديدة
النابعة من بيئة حركات التحرر الوطني، وهنا تصل آلية التآكل إلى قمتها
بحدوث تغيرات سياسية في معسكر المستعمر قد تكون جذرية أحياناً، بما قد
يدفعه في النهاية إلى التسليم بمطالبها في التحرر والاستقلال السياسي. فيما
يكشف تصاعد وتيرة المقاومة عن التناقض العميق داخل بنية المشروع
الاستعماري نفسه، لاسيما إذا كان جيباً استيطانياً حلولياً مصيره الزوال.
لا تُستثنى المقاومة الفلسطينية، ولا اللبنانية من هذه القاعدة
الإنسانية التاريخية، حينما انسحب الاحتلال من لبنان بدون قيد أو شرط عام
2000 ومن قطاع غزة عام 2005 كنتيجة لها وليس بفعل المفاوضات، عدا مناقب منع
تحول الحالة الكولونيالية إلى حالة طبيعية، وصد مساعي إجهاض الحقوق
الوطنية، والإبقاء على عنوان تحرير فلسطين قائماً، وجعل القضية الفلسطينية
حية في الوجدانين العربي والإسلامي، ومؤثرة على المستوى الدولي.
أما نمط الالتفاف حول المقاومة أو المطالبة بنزع سلاحها أو تحميلها
مسؤولية فشل مسار التسوية فلن تنجح في القضاء عليها، فاستمرارية المقاومة
تأتي كنتيجة لرفض الظلم والعدوان ولوجود أسباب على الأرض تتجسد بالاحتلال،
وما دامت الأسباب قائمة فإن النتيجة ستظل شاخصة وقائمة.
ــ الغد