جهاد المنسي : ثمانية وسبعون عاما.. وما يزال المفتاح ينتظر الباب
عندما أُخرجت من بيتها مذعورة، لم تكن تعرف أن ثمانية وسبعين عامًا ستمضي قبل أن ترى الطريق إليه من جديد.
كانت تظنّ أن الأمر يشبه غيمةً سوداء عابرة، ساعات قليلة وينقشع الدخان،
فيعود الرجال إلى الحقول، وتعود النساء إلى الأفران الطينية، ويعود الأطفال
إلى اللعب تحت شجرة التين عند طرف القرية، لم تكن تعرف أن تلك الخطوات
المرتبكة خارج البيت ستكون بداية عمرٍ كامل من النكبة.
خرجت بلا وداع، تركت إبريق القهوة فوق النار، وتركت النافذة نصف مفتوحة،
وتركت ثوب العرس معلّقًا خلف الباب، كأنها كانت واثقة أن المساء سيعيدها
إلى كل شيء، حتى المفتاح الذي وضعته في ثوبها لم تحمله خوفًا من الضياع، بل
حملته بدافع العادة؛ فالأبواب لا تُغلق إلى الأبد في وجه أصحابها.
في الطريق، كانت تحمل طفلها بيد، وبالأخرى ترتجف وهي تمسح دموعها بطرف
ثوبها، السماء يومها لم تكن زرقاء، كانت تشبه قلب أمٍّ مكسور، والأرض كانت
تمتلئ بالخطوات، كأن القرى كلها خرجت تمشي على قدميها نحو المجهول.
كان الرجال يلتفتون خلفهم كثيرًا، لا لأنهم خائفون، بل لأن الروح كانت تبقى
هناك… عند حجر البيت، عند شجرة الزيتون، عند صوت المؤذن الذي اعتاد أن
يوقظ الصباح.
كانوا يظنون أنهم سيعودون غدًا، لذلك لم يأخذوا معهم سوى القليل من الخبز
والكثير من الأمل، لكن الغد تأخر ثمانية وسبعين عامًا، كبر الأطفال الذين
خرجوا حفاةً على الطرقات، وشاخت وجوههم في المخيمات، لكن أسماء القرى بقيت
شابة في أفواههم.
كان الرجل العجوز يجلس أمام خيمته الممزقة، ويحدث أحفاده عن القرية كأنها
جنّة ضائعة، عن البيوت الحجرية التي كانت تتعانق عند المساء، عن رائحة
المطر فوق التراب، عن سنابل القمح التي كانت تميل، وعن زيتونةٍ قديمة كانت
تعرف أسماء العابرين جميعًا.
وفي الليل، حين ينام الجميع، يبقى الفلسطيني وحده مستيقظًا مع ذاكرته، يفتح
صندوق الحنين ببطء، يخرج صورةً باهتة، مفتاحًا صدئًا، قطعة قماش مطرزة، ثم
يبكي بصمت… كأن الدموع صلاة سرية للوطن.
النكبة لم تكن مجرد سرقة أرض، كانت اقتلاع قلبٍ كامل من صدر الحياة، كانت
أمًّا تنادي طفلها وسط الفوضى فلا تجده، وشيخًا يموت وهو يحدّق نحو
الحدود، كأنه ينتظر أن تفتح له السماء طريق العودة، وكانت طفلةً تكبر في
المخيم دون أن تفهم لماذا يُمكن للإنسان أن يُصبح لاجئًا من بيته.
ثمانية وسبعون عامًا، وفلسطين ما تزال معلّقة بين الدعاء والدم، كل شيء
تغيّر إلا الحنين، الحنين هناك لا يشيخ، بل يكبر مثل جرحٍ تعلّم أن يتنفس.
في القدس، ما تزال الحجارة تحفظ أسماء أصحابها، والمسجد الأقصى ما زال يشبه
قلب الأمة، متعبًا لكنه نابض، أما غزة، فتشبه أمًّا تنزف ثم تقوم كل مرة
لتضم أبناءها وتقول لهم: «سنعيش رغم هذا الخراب».
ويا لقسوة العالم… ثمانية وسبعون عامًا وهو يرى الفلسطيني يحمل كفنه بيد،
ومفتاح بيته باليد الأخرى، ثم يسأل لماذا لا يتعب من المقاومة، وكأن
الإنسان يمكنه أن ينسى أمه، أو ينسى اسمه، أو ينسى أول نافذة رأى منها
الشمس.
الفلسطيني لا يحمل وطنًا فقط، بل يحمل ذاكرة كاملة تخاف من الموت، لهذا بقي
يروي الحكاية لأطفاله كما تُروى الآيات المقدسة؛ حتى لا تضيع البلاد بين
الخرائط والكذب والنسيان.
وما تزال الجدّات حتى اليوم، حين يخبزن على الصاج، يضعن فلسطين في العجين،
ويطعمن أحفادهن خبزًا ممزوجًا بالحنين، وما تزال الأمهات يعلّقن المفتاح
على الجدار، ليس لأنه يفتح بابًا قديمًا فقط، بل لأنه يفتح الأمل أيضًا.
ثمانية وسبعون عامًا… وما يزال الفلسطيني حين يسمع كلمة «العودة» يرتجف
قلبه كما يرتجف العاشق حين يسمع اسم حبيبته الأولى، لأن فلسطين لم تكن
يومًا مجرد أرض.
كانت أمًّا، وكانت ذاكرة، وكانت المعنى الكامل للحياة، ولهذا، مهما طال
الليل، ومهما اشتدّ الظلم، سيبقى هناك فلسطيني يقف على حدود الحلم، يرفع
المفتاح نحو السماء، ويقول بثقة المؤمن: سنعود… لأن الأوطان لا تموت، ولأن
الله لا يترك الحقّ.