فلسطين بين «مسيرة الأعلام» و«حرب الأغنام» و«المؤتمر الثامن»
القدس ـ رام الله ـ تلخص اللافتة الضخمة التي رفعها مستوطنون متطرفون في منطقة باب العامود في القدس المحتلة يوم الخميس الماضي ما يتهدد الفلسطينيين بوضوح، لقد حملوا لافتة كُتب عليها: «هذا ليس الأقصى، هذا جبل الهيكل. أردتم مذبحة، ستحصلون على نكبة».
وبمشاركة آلاف المستوطنين، بينهم وزراء وأعضاء كنيست انطلقت «مسيرة الأعلام» والتي تخللها احتفال بما يسمى «ذكرى توحيد القدس»، وهي ذكرى احتلال شرق القدس عام 1967، وضمها إلى القسم الغربي من المدينة، المحتل منذ عام 1948.
والمختلف هذه المرة أن البلدة القديمة في القدس، شهدت يوم الجمعة، اعتداءات واسعة نفذها مستوطنون بحماية قوات الاحتلال، كما أدوا صلوات جماعية على أبواب المسجد الأقصى، واعتداءات على الأهالي والمصلين، ومحاولات اقتحام منازل في حارة السعدية، إضافة إلى اعتقالات طالت عدداً من الشبان بينهم عريس مقدسي قبل ساعات من حفل خطوبته.
ومنذ ساعات الفجر، فرضت قوات الاحتلال انتشاراً مكثفاً في البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى، فيما تجمعت مجموعات من المستوطنين عند باب الأسباط ـ أحد أبواب الأقصى الخارجية ـ وأقامت احتفالات وطقوساً دينية باستخدام مكبرات الصوت والأدوات الموسيقية، مع رفع الأعلام الإسرائيلية وأعلام «الهيكل» المزعوم.
وخلال ساعات النهار وحتى ما بعد صلاة العصر، أدى المستوطنون صلوات متكررة على أبواب المسجد الأقصى من الجهة الخارجية، ضمن مجموعات متتالية، في مشهد وصفه المقدسيون بالاستفزازي والتصعيدي، خاصة بعد الدعوات التي أطلقتها 35 شخصية حكومية إسرائيلية، بينهم وزراء وأعضاء كنيست غالبيتهم من حزب الليكود، إلى جانب منظمات «الهيكل» المتطرفة، للمطالبة بالسماح باقتحام المسجد الأقصى الجمعة بمناسبة ما يسمى «يوم توحيد القدس».
وتبدو الصورة العامة في القدس أكثر دلالة، حيث رأي الباحث المقدسي زياد ابحيص أن توافق الذكرى العبرية لاحتلال القدس لهذا العام يوم الجمعة كان فرصة دفعت سلطات الاحتلال بالعمل المتكامل مع منظمات الهيكل من أجل فرض سوابق جديدة في الأقصى وفي مدينة القدس، حيث أغرتها بذلك نتائج إغلاق الأقصى مدة أربعين يوماً شملت منع 5 جُمعٍ متتالية ومنع صلاة التراويح لعشرين يوماً ومنع الاعتكاف طوال شهر رمضان بما في ذلك ليلة السابع والعشرين منه، ومنع صلاة عيد الفطر، وكلها سوابق تحصل في المسجد الأقصى لأول مرة منذ احتلاله عام 1967.
ورأى ابحيص أنه ورغم أن المعتاد عند أي تقاطع للمناسبات مع يوم الجمعة هو تنظيم «اقتحام تعويضي» يوم الخميس، لاستحالة تأمين أي اقتحام أمام كثافة الحضور الإسلامي للأقصى الجمعة، ولما يمكن أن يكون لأي صدام من نتائج بعيدة الأثر؛ فقد طالبت منظمات الهيكل بفرض الاقتحام الجمعة، وتعاون معها في ذلك عدد من الساسة الصهاينة فوقّعوا عريضتين للمطالبة بفرض الاقتحام الجمعة، الأولى لـ13 سياسيا يوم 3-5-2026 والثانية من 22 سياسيا يوم 11-5-2026، 19 منهم من حزب الليكود الحاكم بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وهو ما يشير إلى تنسيق معه في محاولة فرض هذه السابقة التاريخية في الاعتداء على الأقصى.
وشهد يوم الخميس الماضي اقتحام المسجد الأقصى صباحاً وظهراً، ومسيرة الأعلام مساء، في «احتفال تعويضي» بدلا عن الجمعة، حيث شارك في الاقتحام 1412 مستوطناً، وهو عدد مخالف للمسار التصاعدي المعتاد لأعداد المقتحمين، إذ كانوا 2092 مقتحماً في 2025، وكانوا 1601 في 2024، وهو ما يؤشر لعدم اعتراف منظمات الهيكل وجمهورها بـ«الاقتحام التعويضي»، واستمرار تحريضهم على الاقتحام الأساسي الجمعة، وهي حالة متكررة مع كل اقتحام تعويضي، إذ تتمسك منظمات الهيكل كعادتها بسقوف العدوان الأعلى بحسب الباحث ابحيص.
وقال نشطاء إن شرطة الاحتلال مهدت للاستفراد التام للمستوطنين بالأقصى بمنع الدخول للمصلين دون الـ60 من الرجال، ودون الـ50 من النساء، باستثناء عدد من طلاب المدرسة الشرعية في الأقصى لوجود اختبارات نهائية لديهم، وقد اعتدت على الرجال والنساء بالدفع والضرب والملاحقة، كما منعت دخول البلدة القديمة للفلسطينيين إلا لسكانها المثبّت سكنهم على بطاقاتهم التعريفية، ولم يتجاوز عدد المصلين في المسجد طوال فترة الصباح 150 مصلياً، بينما كان المقتحمون في الساعة الأولى وحدها 200 مستوطن. ورصد خلال الاقتحام منع شرطة الاحتلال المصلين من البقاء في الساحات، وأجبرتهم وموظفي الأوقاف على دخول المباني المسقوفة، بحيث خلت ساحات المسجد للمقتحمين بالكامل، ولم يكن هناك أي توثيق مصور للاقتحام سوى ما نشرته منظمات الهيكل للاستعراض.
كما شهد الاقتحام رفع الأعلام الصهيونية بالعشرات، ورفع العلم الصهيوني فوق مبنى باب الرحمة، وأداء الطقوس الاحتفالية الغنائية في حلقات جماعية، وعقد «حلقة دراسية» توراتية قادها الحاخام يهودا جليك، وأداء «السجود الملحمي» الجماعي بالانبطاح الكامل على الوجه، وتركز ذلك كله في الساحة الشرقية للأقصى التي يستمر المقتحمون برعاية شرطة الاحتلال، في تكريسها وكأنها كنيسهم غير المُعلن في الأقصى، وقاد تلك الاقتحامات إلى جانب جليك الحاخام إلياهو ويبر والحاخام إليشع وولفسون من «مدرسة جبل الهيكل» الدينية.
ومساء الخميس شارك آلاف الصهاينة في مسيرة الأعلام التي انطلقت من محيط «حديقة الاستقلال» المقامة على أنقاض مقبرة مأمن الله الإسلامية، وجالت المسيرة حول الأبواب الغربية ثم الشمالية للبلدة القديمة، قبل أن تتوقف في ساحة باب العَمود وتقتحم البلدة القديمة، حيث تجلى استعراض «السيادة الإسرائيلية» المزعومة بالأعلام والاعتداء بالشتم والضرب وتخريب الممتلكات والمحال على المقدسيين، وبرايات الهيكل ويافطات كتب عليها «سنقيم هيكلنا مكان مسجدكم»، إضافة إلى عبارات عنصرية كثيرة مثل «الموت للعرب» و«لتحترق قريتكم»، في استعراض يجسد ما في الأيديولوجيا الصهيونية من انحطاط وعداء لكل قيمة إنسانية.
وكان الحدث الأبرز صباح يوم الجمعة 15-5، وتحت حراسة شرطة الاحتلال، أقام آلاف المستوطنين طقوساً احتفالية في ساحة الإمام الغزالي المقابلة لباب الأسباط في السور الشمالي للمسجد الأقصى من الخارج، وهذه المرة الأولى التي تقام فيها مثل هذه الطقوس في يوم الجمعة منذ احتلال الأقصى عام 1967.
كما وأدى المستوطنون كذلك طقوساً احتفالية غنائية كذلك في باب القطانين وشارع الواد وأمام باب الملك فيصل وفي عين سلوان، وتجول الآلاف منهم في البلدة القديمة على أمل أن تلوح لهم فرصة لاقتحام الأقصى، وجددوا اعتداءهم على المقدسيين ومحالهم في شارع الواد وعقبة درويش، وتدخلت شرطة الاحتلال فاعتقلت تسعة من المقدسيين المُعتدى عليهم.
ورغم هذه المسيرات العدوانية، ورغم إغلاق شرطة الاحتلال لبابَي الأسباط والملك فيصل شمالاً أمام المصلين، فقد تمكن 75 ألفاً منهم من الوصول إلى الأقصى وأداء صلاة الجمعة فيه، وبقيت أعداد كبيرة منهم في المسجد حتى صلاة المغرب، وهو ما أسهم في عدم توفير أي فرصة لتمرير اقتحام الجمعة.
وخلص الباحث المقدسي ابحيص إلى أن هذا العدوان شكل ذروةً جديدة في مسار فرض الوقائع التدريجية في المسجد الأقصى ومحيطه، وكشفت وقائعه أن الاحتلال ما زال مضطراً ليأخذ في اعتباره تعقيدات أعداد المرابطين وتداعيات الاصطدام بهم، لكنه ما زال يجرب ويستكشف إمكانية تحييد هذه التعقيدات، وهو ما يمكن أن يُغريه بالمضي نحو تحركات حاسمة تمس بهوية المسجد الأقصى إذا ما استمرت تجاربه المتتالية بلا ردِّ حقيقي.
يذكر أن مسيرة الأعلام من أبرز مظاهر سياسات تهويد القدس الشرقية، وهي فعالية سنوية يشارك فيها عشرات الآلاف من المستوطنين واليمينيين الإسرائيليين. تقام في 28 من الشهر الثامن وفق التقويم العبري، وهو ما يعرف «بيوم توحيد القدس»، والذي تحتفل فيه إسرائيل بسيطرتها على القدس واحتلالها للجزء الشرقي منها أثناء حرب حزيران 1967، والمعروفة في العالم العربي «بالنكسة».
وبدأت المسيرة أول مرة في 1968 على يد الحاخام يهودا حزاني من المدرسة المعروفة باسم «ميركاز هراف» (مركز الحاخام) بعد توحيد القدس، وفي 1974 تطورت من تجمع بسيط إلى فعالية منتظمة، وزاد حجم المشاركة فيها لتصبح اليوم بحسب منظمة عير عميم الحقوقية اليسارية الإسرائيلية بمثابة «يوم حزين» يعيشه الفلسطينيون في مدينة القدس.
حرب الأغنام في الضفة الغربية
المشهد في الضفة الغربية يتمم الصورة في مدينة القدس، فالنكبة الثانية متعينة في مناطق متفرقة في الضفة، عمليات التهجير تتواصل فيما يسقط الأطفال الفلسطينيون خلال عمليات مقاومة سرقة مواشيهم.
وفي ومنتصف الأسبوع الماضي، ارتقى الطفل يوسف علي يوسف كعابنة (16 عاماً) شهيداً برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي خلال هجوم عنيف شنه مستوطنون مسلحون على قرى سنجل، وجلجليا، وعبوين شمال رام الله، وخلال هجوم المستوطنين سرقوا نحو 700 رأس من الماشية في منتصف النهار.
المختلف في عمليات السرقة الجديدة التي أصبح يطلق عليها بـ«حرب الأغنام» أنها تتم في وسط النهار ومن مراكز البلدات الفلسطينية بعد ان كانت سابقا تنفذ على أطراف القرى والبلدات وفي مضارب البدو الفلسطينيين في الأغوار وجنوب الضفة أيضا.
حدث ذلك على إيقاع تزايد التنافس في الانتخابات الداخلية في المؤتمر الثامن لحركة فتح، وهو أمر دفع بالمحاضر في العلوم السياسية في جامعة بيرزيت باسم الزبادي إلى طرح سؤال بسيط مفاده: هل يكفي ضجيج «المؤتمر الثامن» لوقف الاستيلاء المستمر على أغنام الفلسطينيين من شمال الضفة إلى جنوبها، وذلك بعد تلاشي الأمل في القدرة على حماية البشر؟
السؤال المستحق والمحمل بالدلالات والإشارات هو ما يهم المواطنين البسطاء الذين يواجهون المستوطنين بأجسادهم، وهو سؤال يبدو الأهم سواء على حركة فتح أو غيرها من فصائل العمل الوطني الفلسطينية، وإن كان طرحه اليوم يتعزز على الحركة التي قادت مشروع النضال الفلسطيني حيث يرجى من مؤتمرها الثامن أن يكون مسار تجديد ونهوض بما يتناسب والواقع الفلسطيني.
ـ «القدس العربي»