اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار
الرئيسية / اقتصاد

طوقان: الطاقة النووية خيار سيادي واقتصادي

طوقان: الطاقة النووية خيار سيادي واقتصادي
أخبارنا :  

أجرى الحوار: عماد الرقاد

في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها الأردن، وارتفاع كلف الطاقة عالميًا، وتزايد الضغوط على القطاعات الحيوية، يعود ملف الطاقة النووية الأردني إلى واجهة النقاش العام باعتباره أحد أكثر المشاريع الاستراتيجية إثارةً للجدل والطموح في تاريخ المملكة الحديث.

على مدار سنوات سابقة، انقسمت الآراء حول المشروع النووي بين من يراه خيارًا سياديًا واقتصاديًا قد يمنح الأردن استقلالًا في الطاقة ويخفف من فاتورة الاستيراد الثقيلة، ومن يعتبره مشروعًا مكلفًا وطويل الأمد ومحاطًا بتحديات سياسية وفنية وإقليمية معقدة.

وفي وقت تتسابق فيه دول العالم للبحث عن مصادر طاقة مستقرة وآمنة، يطرح الأردن نفسه مجددًا كلاعب يسعى لاستثمار موارده الطبيعية من اليورانيوم، وبناء برنامج نووي يعتمد على الخبرات والكفاءات الوطنية، وسط تساؤلات مستمرة حول حجم الإنجاز الحقيقي، ومستقبل «الكعكة الصفراء»، وفرص الوصول إلى الإنتاج التجاري، ومدى قدرة المشروع على تحقيق نقلة اقتصادية للمملكة.

رئيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية الدكتور خالد طوقان فتح خلال حواره مع «بودكاست الدستور» ملفات حساسة وشائكة تتعلق بمستقبل الطاقة في الأردن، وتحدث بصراحة عن مشروع اليورانيوم الأردني، والمفاعل النووي البحثي، وخطط إنتاج «الكعكة الصفراء»، إضافة إلى التحديات التي واجهت المشروع خلال السنوات الماضية، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو حتى المجتمعي. كما تطرق الحوار إلى خسائر الأردن الناتجة عن أزمات الطاقة خلال السنوات الماضية، ورؤية الهيئة لمستقبل الكهرباء والطاقة، وأهمية تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مصدر واحد، إلى جانب حديث شخصي عن بداياته العلمية، ومسيرته في قطاع الطاقة النووية، ورؤيته لمستقبل الأردن في هذا الملف الاستراتيجي.

وفي ما يلي أبرز ما جاء في الحوار..

= «الدستور»: بدايةً.. من هو خالد طوقان بعيدًا عن المناصب؟

** طوقان: ولدت في عمّان عام 1954، ونشأت في بيئة تحب العلم والتعليم.. درست في كلية تراسانطة، وكنت دائمًا من المتفوقين دراسيًا، سواء في المرحلة الإعدادية أو الثانوية العامة، ثم التحقت بالجامعة الأمريكية في بيروت لدراسة الهندسة الكهربائية، وبعدها درست الماجستير في الهندسة النووية بجامعة ميتشيغان، ثم أكملت الدكتوراة في معهد MIT الأمريكي.

أنا أرى نفسي أستاذًا جامعيًا وعالمًا نوويًا قبل أي شيء آخر، لأن شغفي الحقيقي كان دائمًا العلم والبحث والتكنولوجيا.

= «الدستور»: عندما يسمع المواطن كلمة «نووي» يفكر مباشرة بالكهرباء أو السلاح.. ما المقصود فعليًا بالطاقة النووية؟

** طوقان: هذا أكبر سوء فهم موجود.. الطاقة النووية ليست فقط محطة كهرباء، بل تدخل في معظم تفاصيل الحياة الحديثة.

اليوم لدينا استخدامات نووية في علاج السرطان، وفي الطب النووي، وفي إنتاج المواد الطبية المشعة، وفي الزراعة والصناعة وتحلية المياه وتعقيم المواد الغذائية والبذار.

العالم اليوم يعيش العصر النووي، ومن لا يدخل هذا المجال سيتأخر علميًا وتكنولوجيًا.

= «الدستور»: ومتى بدأت فكرة المشروع النووي الأردني؟

** طوقان: البداية الحقيقية جاءت بعد أزمة الطاقة التي تعرض لها الأردن عقب فقدان النفط العراقي الرخيص عام 2003. وقتها أدركت الدولة أن الاعتماد الكامل على مصادر الطاقة الخارجية يشكل خطرًا استراتيجيًا.

في عام 2005 شُكلت لجنة وطنية بتوجيهات من جلالة الملك عبدالله الثاني لوضع استراتيجية طاقة طويلة الأمد، وكنت أحد أعضاء هذه اللجنة، وتم وضع مفهوم «مزيج الطاقة» الذي يشمل الطاقة الشمسية والرياح والصخر الزيتي والطاقة النووية.

= «الدستور»: هل كان القرار سياديًا أم اقتصاديًا؟

** طوقان: هو قرار سيادي واقتصادي في الوقت نفسه. الأردن بحاجة إلى استقلالية في الطاقة، لأن أي اضطراب سياسي أو إقليمي ينعكس مباشرة على الاقتصاد الأردني.

عندما انقطع الغاز المصري بعد أحداث الربيع العربي، تكبد الأردن خسائر بمليارات الدنانير، لذلك كان لا بد من البحث عن مصادر مستقرة ومستدامة.

= «الدستور»: بعد 18 عامًا.. ماذا تحقق فعليًا؟

** طوقان: الناس عادة تريد نتائج سريعة وملموسة، لكن المشاريع النووية في العالم تحتاج إلى وقت طويل. أهم ما أنجزناه هو بناء الكفاءات البشرية الأردنية.

اليوم جميع الفرق العاملة في المفاعل البحثي، والطب النووي، والصيدلة النووية، ومشروع اليورانيوم، هي كوادر أردنية بالكامل.

بل إننا أصبحنا نصدّر خبرات أردنية إلى دول خليجية وعربية، وهذا بحد ذاته إنجاز استراتيجي.

= «الدستور»: هل هناك مبالغة في الحديث عن إنجازات المشروع؟

** طوقان: إطلاقًا. نحن نتحدث عن مشروع بُني من الصفر تقريبًا.، عندما بدأنا لم يكن لدينا كوادر كافية ولا بنية تحتية نووية.

اليوم لدينا مفاعل بحثي، وبرامج تدريب، ومختبرات، ومشروع يورانيوم متقدم، ومركز سنكروترون يستقبل علماء من عشرات الدول.

= «الدستور»: هل يمتلك الأردن فعلًا احتياطات كبيرة من اليورانيوم؟

** طوقان: الدراسات الجيولوجية أثبتت وجود كميات كبيرة من اليورانيوم في مناطق متعددة من المملكة.

نجحنا في استخلاص اليورانيوم محليًا، ونحن الآن على أعتاب الإنتاج التجاري للكعكة الصفراء.

الأهم أن التكنولوجيا المستخدمة تم تطويرها بأيدٍ وعقول أردنية، وهذا إنجاز وطني مهم جدًا.

= «الدستور»: هل يمكن أن يصبح الأردن مصدرًا لليورانيوم مستقبلًا؟

** طوقان: هذا ممكن جدًا إذا توسعنا في استغلال خامات اليورانيوم الموجودة في الفوسفات والمناطق الأخرى.

= «الدستور»: ما أبرز التحديات والمعيقات التي واجهتكم خلال 18 عامًا؟

** طوقان: واجهنا عدة تحديات، في مقدمتها أن المنطقة مرت بفترة الربيع العربي، وهذا أدى إلى حالة تشكيك في البرنامج من بعض الأصوات. كذلك كان هناك عدم استقرار جيوسياسي في الإقليم، وهو ما ينعكس عادة على المشاريع الاستراتيجية طويلة الأمد.

إضافة إلى ذلك، هناك بعض الجهات الدولية والإقليمية التي لم تكن مرحبة بتقدم الأردن في مجال الطاقة النووية، لأن هذا المجال يُعد من أكثر المجالات التقنية حساسية وتقدمًا في العالم، ويرتبط بمستويات عالية من المعرفة والتكنولوجيا.

الطاقة النووية ليست مجرد كهرباء، بل هي بوابة لتقنيات متقدمة في الطب النووي، والصيدلة، والزراعة، والصناعة، والمواد المتقدمة، وحتى الإلكترونيات. لذلك هناك دول لا يروق لها أن يدخل أي طرف جديد إلى هذا المجال، خصوصًا إذا كان يتجه نحو تحقيق الاستقلال في الطاقة.

= «الدستور»: كيف يمكن للأردن أن يتحول من مستهلك للطاقة إلى منتج لها؟ وهل الطاقة النووية هي الخيار؟

** طوقان: الطاقة النووية هي أحد الخيارات، وليست الخيار الوحيد.. استراتيجية الطاقة التي وُضعت عام 2007 تقوم على مبدأ «مزيج الطاقة»، أي عدم الاعتماد على مصدر واحد فقط.

الطاقة النووية يجب أن تكون عنصرًا أساسيًا ضمن هذا المزيج، خصوصًا في ظل التطورات العالمية الحالية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، حيث تعتمد الدول الكبرى على بناء محطات نووية لتوفير الطاقة اللازمة لمراكز البيانات.

لكن في المقابل، يجب توضيح أن الطاقة الشمسية والرياح طاقة متقطعة، وليست مستمرة على مدار 24 ساعة، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها وحدها، لأن ذلك يؤدي إلى خلل في استقرار النظام الكهربائي.

كما أرى أن هناك مبالغة سابقة في التعويل على الطاقة الشمسية كمصدر رئيسي، وهذا غير دقيق من الناحية الهندسية، لأن أي نظام طاقة يحتاج إلى مصدر ثابت ومستمر.

ومن وجهة نظري، الطاقة المتجددة وصلت إلى مرحلة تشبع، ويجب التوسع أكثر في مصادر أخرى مثل الصخر الزيتي، الذي يمثل مصدرًا مستدامًا للطاقة، إلى جانب التوجه نحو الطاقة النووية في العقد القادم كأحد أعمدة مزيج الطاقة في الأردن.

= «الدستور»: هناك من يعتبر المشروع مكلفًا دون نتائج واضحة.

** طوقان: هذا الكلام غير دقيق. ميزانية الهيئة السنوية متواضعة جدًا وتتراوح بين 10 و11 مليون دينار.

أما مجموع الإنفاق الرأسمالي خلال 18 عامًا فيقارب 150 مليون دينار، مقابل بناء بنية تحتية نووية كاملة، ومفاعل بحثي، وكفاءات بشرية، ومشاريع علمية متقدمة.. ولم ننفق مليارات كما يتخيل البعض.

= «الدستور»: ما أهمية المفاعل البحثي؟

** طوقان: المفاعل البحثي هو أساس أي برنامج نووي في العالم، وهو لا يُستخدم لإنتاج الكهرباء، بل لإنتاج النظائر المشعة، والأبحاث العلمية، وتدريب الكفاءات البشرية.

= «الدستور»: وهل يديره أردنيون بالكامل؟

** طوقان: نعم، لدينا نحو 120 شابًا وشابة أردنيين يديرون المفاعل ويقومون بأعمال التشغيل والصيانة والحسابات العلمية وإنتاج النظائر الطبية.

= «الدستور»: لماذا يرتبط النووي بالخوف دائمًا؟

** طوقان: لأن الناس تربطه بالسلاح النووي أو بحوادث مثل تشيرنوبل وفوكوشيما، لكن التكنولوجيا النووية تطورت بشكل كبير جدًا، وأنظمة الأمان الحالية أكثر تقدمًا بكثير.

= «الدستور»: هل يمكن أن يتأثر الأردن بأي حادث نووي في المنطقة؟

** طوقان: أجرينا دراسات دقيقة، والحسابات تشير إلى أن الأردن سيكون بمنأى عن أي تأثير مباشر بسبب بعد المسافات واتجاه الرياح.

كما أن لدينا شبكة رصد إشعاعي تعمل على مدار الساعة في مختلف مناطق المملكة.

= «الدستور»: متى يمكن أن يرى الأردنيون كهرباء منتجة من الطاقة النووية؟

** طوقان: أعتقد أننا قد نصل إلى هذه المرحلة في منتصف العقد القادم، لكن النتائج الحالية موجودة بالفعل في القطاع الطبي والبحثي والعلمي.

= «الدستور»: وهل المشروع النووي الأردني اليوم على الورق أم على الأرض؟

** طوقان: المشروع موجود على الأرض بكل تأكيد، وحقق إنجازات حقيقية، لكنه مشروع استراتيجي يحتاج إلى نفس طويل وصبر واستمرارية.

= «الدستور»: هل المشروع أقرب للنجاح أم للخطر؟

** طوقان: المشروع ناجح، ونجاحاته ستتضاعف خلال السنوات المقبلة، لأننا بنينا الأساس الحقيقي لأي برنامج نووي ناجح، وهو الإنسان الأردني. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك