الأخبار

مامون المساد : حين تصبح "الرواية الوطنية" مشروع دولة

مامون المساد : حين تصبح الرواية الوطنية مشروع دولة
أخبارنا :  

لم تعد الدول تُستنزف فقط على حدودها… بل داخل وعي شعوبها أيضًا، ففي هذا العصر، لم تعد المعارك الكبرى تبدأ بالدبابات، بل بالصورة، والمعلومة، والانطباع، والقدرة على التأثير في العقول قبل الوقائع. وأصبحت الدول التي لا تمتلك أدوات روايتها الوطنية، تعيش دائمًا في موقع الدفاع، حتى وإن كانت تملك الإنجاز على الأرض.

المشكلة اليوم ليست أن الدول العربية تفتقر إلى المشاريع أو الخطط أو البرامج، بل إن كثيرًا منها ما يزال يتعامل مع الرأي العام بعقلية "الإبلاغ” لا "التأثير”، وبمنطق ردّ الفعل لا صناعة الاتجاه.

العالم تغيّر… بينما ما تزال أدوات الخطاب الرسمي في كثير من الأحيان تتحرك ببطء المؤسسات القديمة، في مواجهة فضاء رقمي يتحرك بسرعة الضوء.

في السابق، كانت الدولة تحتكر المنبر، وتتحكم بتدفق المعلومة، وتملك قدرة واسعة على توجيه المزاج العام. أما اليوم، فقد انهارت الحدود التقليدية للإعلام، وأصبح الهاتف المحمول وحده قادرًا على صناعة موجة رأي عام، أو تشويه صورة مؤسسة، أو خلق حالة من الشك والاحتقان خلال ساعات.

وهنا تكمن القضية الأخطر: الفراغ في عصر الإعلام الرقمي لا يبقى فراغًا، إذا لم تملأه الدولة بروايتها، ستملؤه الإشاعة، وإذا لم تصنع تفسيرها للأحداث، سيصنعه الآخرون، وإذا لم تمتلك أدوات التأثير، ستتحول إلى متلقٍ دائم للضجيج.

المطلوب اليوم ليس "إعلامًا رسميًا" بالمعنى التقليدي، ولا حملات دعائية مؤقتة، بل بناء صناعة وطنية متكاملة للتأثير، تُدار بعقل الدولة الحديثة، لا بعقل البيانات البروتوكولية، صناعة تبدأ من فهم الناس… لا مخاطبتهم من فوق.

فالجمهور لم يعد يبحث فقط عن المعلومة، بل عن المعنى. لم يعد يكتفي بسماع الخبر، بل يريد أن يفهم لماذا يحدث، وكيف سينعكس على حياته، وما إذا كانت الجهة التي تخاطبه تمتلك الصدق والوضوح والقدرة على الإقناع.

وهنا، لا تكفي اللغة الخشبية، ولا المصطلحات الإدارية، ولا البيانات الطويلة التي تصل متأخرة بعد أن تكون منصات التواصل قد أنهت تشكيل الرأي العام.

الدول المؤثرة اليوم لم تنجح فقط لأنها قوية اقتصاديًا أو سياسيًا، بل لأنها أدركت مبكرًا أن القوة الناعمة جزء من الأمن الوطني.

الدراما… قوة.

الوثائقيات… قوة.

المنصات الرقمية… قوة.

حتى طريقة تصوير الحدث، واختيار الكلمات، وصناعة القصة الإنسانية… كلها أدوات نفوذ حديثة ولذلك، لم تعد صناعة التأثير وظيفة إعلامية هامشية، بل باتت علمًا قائمًا على تحليل البيانات، وقياس المزاج العام، وفهم السلوك المجتمعي، وإدارة الصورة الذهنية، وبناء الثقة.

في الأردن، تمتلك الدولة عناصر رواية قوية؛ الاعتدال السياسي، والاستقرار، والكفاءة البشرية، والرصيد التاريخي، والمكانة الإقليمية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذه العناصر إلى خطاب مؤثر، حيّ، قريب من الناس، وقادر على المنافسة في فضاء مزدحم بالروايات المتناقضة.

نحن بحاجة إلى الانتقال من "إدارة الخبر” إلى "صناعة الإدراك”، بحاجة إلى سياسات وطنية تُنتج محتوى احترافيًا، وتدعم الإعلام النوعي، والدراما، والوثائقيات، ومنصات الشباب، وتستثمر في العقول القادرة على مخاطبة الجيل الجديد بلغته وأدواته.

وبحاجة أيضًا إلى مؤسسات متخصصة في الاتصال الاستراتيجي، لا تتحرك فقط وقت الأزمات، بل تعمل يوميًا على بناء الثقة، وشرح السياسات، وتعزيز صورة الدولة في الداخل والخارج.

فالدول التي لا تُحسن الحديث عن نفسها… سيتحدث الآخرون عنها بطريقتهم، وفي زمن التدفق المفتوح للمعلومات، لم يعد السؤال: من يملك الحقيقة؟ بل: من يملك القدرة على إيصالها بصورة مؤثرة؟ لهذا، فإن صناعة التأثير لم تعد ترفًا سياسيًا أو إعلاميًا… بل أصبحت ضرورة سيادية، وجزءًا من معركة الوعي، وحماية الاستقرار، وصناعة المستقبل.

مواضيع قد تهمك