الأخبار

د. عبد الله محمد القضاة : الأردن في قلب المعادلة: من عمّان تُصاغ ملامح الاستقرار في شرق المتوسط

د. عبد الله محمد القضاة : الأردن في قلب المعادلة: من عمّان تُصاغ ملامح الاستقرار في شرق المتوسط
أخبارنا :  

في خضم تحولات إقليمية ودولية متسارعة، تتسم بتعقيداتها وتشابكاتها، لا يغدو المشهد مجرد سلسلة من الأحداث المتوالية، بل هو نسيج من الرسائل السياسية التي تتطلب قراءة معمقة لما وراء السطور. في هذا السياق، لم تكن القمة الثلاثية الخامسة التي استضافتها عمان، وجمعت جلالة الملك عبد الله الثاني، والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل كانت بياناً سياسياً بامتياز، يرسخ دور الأردن كلاعب محوري وصانع للاستقرار في منطقة مضطربة.

إن جوهر الرسالة الأردنية، كما تجلت في حديث جلالة الملك، يكمن في إيمان راسخ بأن الاستقرار لا يمكن أن يكون نتاجاً للقوة أو الإملاءات، بل هو ثمرة توازن دقيق بين المصالح المشتركة، واحترام السيادة، والالتزام بالقانون الدولي. هذه القمة، بتوقيتها ومضامينها، لم تعكس رؤية أردنية متماسكة فحسب، بل أكدت على قدرة المملكة على تحويل التحديات إلى فرص، والمواقف إلى سياسات استراتيجية فاعلة.

لقد تجاوزت القمة الثلاثية مجرد التعاون الثنائي لتشكل نموذجاً متقدماً في هندسة العلاقات الإقليمية. فتركيز جلالة الملك على أن القمة توفر "منصة مهمة للتشاور والتنسيق وتوسيع التعاون في العديد من القطاعات الرئيسة، وتعميق الروابط الاقتصادية عبر زيادة حجم التجارة والاستثمار"، ليس مجرد سرد لبرنامج عمل، بل هو إقرار بأهمية بناء تحالفات استراتيجية قادرة على تحقيق الازدهار المشترك.

إن اختيار قطاعات مثل المياه، الطاقة، التعليم، والسياحة، ليس عشوائياً، بل يعكس فهماً استراتيجياً بأن هذه القطاعات هي محركات النمو المستدام، وعناصر أساسية في تعزيز المرونة الاقتصادية للدول المشاركة. والأهم من ذلك، أن هذا التنسيق الثلاثي، ضمن إطار الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، يساهم "بشكل إيجابي في العمل نحو تحقيق الاستقرار والازدهار إقليميا وعالميا".هذه العبارة تحمل في طياتها رسالة قوية: الأردن ليس مجرد متلقٍ للمساعدات أو متأثر بالصراعات، بل هو شريك فاعل وموثوق به في صياغة مستقبل المنطقة والعالم، وقادر على لعب دور محوري في تحقيق الأمن الإقليمي من خلال الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية.

تظل القضية الفلسطينية هي البوصلة التي توجه السياسة الخارجية الأردنية، وهي الثابت الذي لا يتزعزع في خطاب جلالة الملك. ففي سياق حديثه عن التطورات الإقليمية، لم يتردد جلالته في التأكيد على أن "الصراعات المستمرة وتبعاتها الاقتصادية تتطلب استمرار التنسيق والالتزام بتحقيق الاستقرار والسلام.” لكنه سرعان ما انتقل إلى جوهر الموقف الأردني، الذي يتجاوز مجرد التعبير عن القلق إلى تحديد شروط السلام العادل والشامل؛ والمتمثلة في عدة محاور؛لعل أهمها: وقف إطلاق النار وإنهاء العدوان: رسالة لا تقبل التأويل بضرورة إنهاء الصراع في غزة، وأن أي اتفاق يجب أن يضمن "إنهاء الاعتداءات والحفاظ على أمن دول المنطقة." هذا ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو شرط أساسي لأي استقرار إقليمي حقيقي، ويعكس إدراكاً بأن استمرار الصراع في غزة يهدد الأمن الإقليمي برمته. وكذلك: رفض فرض واقع جديد: إن تأكيد جلالته على "ثبات موقف الأردن الرافض للإجراءات الإسرائيلية التي تهدف إلى استغلال الأوضاع بالمنطقة لفرض واقع جديد في القدس والضفة الغربية وغزة"، هو رسالة حازمة تعكس عمق الالتزام الأردني بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. هذه الوصاية ليست مجرد لقب تاريخي، بل هي مسؤولية دينية ووطنية وقومية، تهدف إلى حماية الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة، ورفض أي محاولات لتهويدها أو تغيير تركيبتها الديموغرافية.

وتشكل المساعدات الإنسانية ؛واجبا أخلاقيا وسياسيا:، حيث ركز هذا المحور: التشديد على "ضرورة وصول المساعدات الإنسانية الكافية إلى جميع المناطق في غزة دون أي تأخير أو معيقات"، يبرز البعد الأخلاقي والإنساني في السياسة الأردنية، ويؤكد على أن التخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني هو واجب لا يمكن التنازل عنه، وهو جزء لا يتجزأ من أي حل سياسي مستقبلي.

إن هذا الثبات في الموقف الأردني، في ظل تذبذب المواقف الدولية، يؤكد أن الأردن ليس مجرد متفرج على الأحداث، بل هو حامل لواء الحق والعدالة، ومدافع عن المبادئ التي تتآكل في عالم يتسم بالبراغماتية المفرطة.

لم تقتصر الرؤية الأردنية على القضية الفلسطينية، بل امتدت لتشمل استقرار المنطقة ككل. فتأكيد جلالة الملك على "دعم الأردن التام لجهود الحكومة اللبنانية في الحفاظ على سيادة لبنان ووحدة أراضيه"، هو رسالة واضحة بأن الأمن الإقليمي هو منظومة متكاملة لا تتجزأ. إن استقرار لبنان، كما غيره من دول المشرق، ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو ركيزة أساسية لأي استقرار إقليمي شامل. هذا الموقف يعكس إدراكاً أردنياً بأن حماية الدولة الوطنية من التفكك، وصون المنطقة من مزيد من الفوضى، هو نهج استراتيجي يصب في مصلحة الجميع.

لعل من أبرز الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من هذه القمة هو التقدير الدولي المتزايد للدور الأردني المحوري. فإشادة كل من الرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني بدور الأردن، بقيادة جلالة الملك، ومساعيه لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، ليست مجاملة دبلوماسية، بل هي اعتراف بثقل سياسي حقيقي.

هذا التقدير يؤكد على القيادة الحكيمة لجلالة الملك في قيادة الدبلوماسية الأردنية، ويبرز موقع المملكة كحلقة وصل استراتيجية بين الغرب والشرق، وكمنصة للحوار البناء. كما أن تأكيد رئيس الوزراء اليوناني على "أهمية الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس"، يعكس تفهماً دولياً عميقاً لهذا الدور التاريخي والديني والسياسي الذي يضطلع به الأردن، ويؤكد على شرعية هذا الدور وأهميته في الحفاظ على الوضع القائم في المدينة المقدسة.

ختاماً، يمكن القول إن القمة الثلاثية في عمّان لم تكن مجرد حدثٍ عابرٍ يمرّ في صفحات التاريخ، بل كانت محطةً فارقةً في تأكيد دور الأردن كصانعٍ للاستقرار وبوصلةٍ للحكمة في منطقةٍ مضطربةٍ تبحث عن الأمان.

إن الرسائل التي أطلقها جلالة الملك عبد الله الثاني كانت واضحةً وحازمةً، كأنها صدىً لضمير الأمة: الأردن يمضي بثباتٍ في تكريس معادلةٍ دقيقةٍ تجمع بين الانفتاح المسؤول الذي يُرحب بالجميع، والثبات على المبادئ التي لا تتغير، والتأثير الفاعل دون ضجيجٍ أو صخب. هذه المعادلة لا تُصاغ بالشعارات الرنانة، بل تُبنى بتراكم المواقف النبيلة، وثقة الحلفاء التي لا تتزعزع، واحترام الخصوم الذي يُمهد للحوار. الأردن اليوم ليس مجرد دولةٍ تبحث عن موقعٍ لها في الإقليم، بل هي دولةٌ تصنع الموقع، وتدافع عنه بكل قوةٍ وحكمة، وتطوره برؤيةٍ ثاقبة، وتؤكد للعالم أجمع أن السياسة، عندما تقترن بالحكمة والرؤية الاستراتيجية، يمكن أن تكون أداةً لبناء الاستقرار، لا وقوداً يُشعل نيران الفوضى، بل شعلةً تُضيء دروب الأمل.

ــ الراي

مواضيع قد تهمك