د. علياء العظم : أنسنة "البروتوكولات" الطبية .. نحو منظومة أكثر رحمة
في فلسفة العمران، لا يُقاس نجاح أي بناء بمدى صلابته، وفخامة حجارته، وجمال جدرانه وفراغاته، أو حداثة تقنياته، أو بمدى تحقيق الانتفاع منه، فقط، بل بقدرته على احتواء "الروح الإنسانية"، ومنحها السكينة، وحفظها بالكرامة. والمستشفى بصفته وحدة عمرانية مصغرة، هو الاختبار الحقيقي لهذه الفلسفة؛ فإما أن يكون "محراباً للرحمة" يستمد قوته من كرامة الإنسان، أو يتحول إلى "آلة صماء"، تسحق الروح تحت وطأة الروتين، والبروتوكول.
إن الرحمة المقصودة لا يكفي لوجودها حسن أداء الكادر التمريضي، ولطفهم، والكرامة المرجوة لا يكفي لتحقيقها جودة النظام الإداري؛ بدقته وانضباطه وحسنه، بل يتجلى عمق تلك الرحمة في مصداقية الإجراءات العلاجية، التي لا تعقّدها السياسات، ولا تقيّدها البروتوكولات.
إن التحول نحو منظومة صحية "آدمية" يتطلب إعادة هندسة شاملة تقوم على أربعة أعمدة أساسية:
1-ردم الفجوة العلمية: من "التقليدي" إلى "الذكي"
إن أكبر مآسي الطب الحديث؛ هي بقاء المؤسسات الكبرى رهينة لبروتوكولات علاجية "كلاسيكية"، قديمة وعامة، تجاوزها الزمن، لا تفرق بين الحالات، بينما يفيض العلم بأنواع ذكية، دقيقة لكل حالة، ويمتلئ العالم منها ببدائل رحيمة، أكثر اقتصادية، تخفف العبء المادي على المنظمات، وبالتالي على الأفراد.
المطلوب: : أنسنة العلاج الطبي؛ من خلال مرونة علمية تسمح بتبني "العلاجات الذكية" كحق أصيل للمريض، لا كرفاهية يضطر للبحث عنها خارج أسوار المؤسسات الرسمية، فالمنظومة التي لا تتطور علمياً، تسهم في معاناة مرضاها إجرائياً.
2-تحطيم "الجدار البيروقراطي": فجوة الزمن الذهبي
من أكبر التحديات التي قد يواجه المريض اليوم هو "الروتين الباهت" الذي يحول الحاجة الحيوية الملحة إلى "أوراق إجرائية" تنتظر دورها، ففي الحالات الحرجة، هناك صراع بين "الزمن البيولوجي" للمرض و"الزمن الإداري" للمستشفى.
إن تعطيل التشخيص أو تأخير التدخل بسبب جمود الإجراءات هو "فشل عمراني"، يؤدي لانهيار المنظومة الدفاعية للمريض، قبل أن تبدأ معركته الحقيقية.
والمطلوب: خلق "مسارات خضراء" تتجاوز البيروقراطية، لتصل بالمريض إلى حقه في العلاج السريع، فالرحمة تبدأ بسرعة الاستجابة.
3-المريض إنسان لا مجرد رقم _ روح لا مجرد حالة
بعض المنظومات الطبية الحديثة تعتمد بروتوكولات غربية مستوردة، تجعل من المريض مجرد حالة ذات رقم، ومن الطبيب مجرد موظف يطبق خطوات مرسومة، ويتخذ إجراءات محددة .
في العيادات يكون الطبيب مجرد قارئ للملفات، في جهاز آلي جامد، ثم مدخل بيانات إليه، تحتوي الوصفات الطبية والإجراءات، لا تبصر عيناه شخص المريض إلا لمحاً، ولا تلمس يداه الجسد المنهك إلا عفواً، يغيب الفحص السريري، ويتلاشى التواصل الإنساني، ويختفي التواصل البصري، والإنصات الإنساني لتفاصيل قد لا تظهرها الصور والتقارير، في حين تحمل في طياتها أسراراً ملهمة للإبداع في العلاج.
وعند سرير المرض، في الغرف المغلقة، ينظر للمريض كـ "ملف كيميائي" معزول؛ (معدل هيموجلوبين، نسبة يوريا، عدد صفائح، ... الخ )، هذا الاختزال يغفل "هندسة الروح" وقوة الإرادة، في حين أثبتت المشاهدات السريرية أن المريض قد يمتلك وعياً متوقداًن وتركيزاً عالياً، حتى في أقصى درجات الانهيار الجسدي، وإن تجاهل هذا الوعي، والتركيز فقط على "النتائج الميتة"، هو تقصير في فهم الكيان البشري المتكامل، وفي فرص مساعدته.
والمطلوب: أنسنة التشخيص والمتابعة الطبية، بحيث لا يقتصر التشخيص والعلاج على الأجهزة الصماء مهما تقدمت تكنولوجياً، بل يتم التواصل الإنساني الواعي بين الطبيب والمريض، وبحيث يُنظر للمريض كشريك واعٍ في معركته، لا كمجرد مستقبل سلبي للأدوية.
4-الشراكة مع الأهل: مهندسو بيئة السكينة
غالباً ما يُنظر لعائلة المريض في المنظومات الجافة كـ "عبء" أو "عائق" أمام الطاقم الطبي. بينما الحقيقة العمرانية تقول إن الأهل هم "البيئة الحاضنة"، التي تمنح المريض السكينة اللازمة للشفاء أو الرحيل الكريم.
إن الشفافية في المعلومة، وإشراك الأهل في "الكونسلتو الإنساني"، وتقدير وعيهم وخبرتهم، يحول المستشفى من مكان للغربة والوحشة إلى بيئة دعم متكاملة.
والمطلوب: تدريب الكوادر الطبية على "الذكاء الوجداني"، واعتبار التواصل الفعال مع الأهل جزءاً أصيلاً من بروتوكول العلاج لا هامشاً عليه.
وختاماً - نحو عمران طبي جديد
إن المنظومة الطبية التي تستحق البقاء هي التي تعامل كل مريض كأنه "الوتد" الذي يقوم عليه العالم، وإن "الإهمال العلمي" الحقيقي لا يكمن فقط في الخطأ الفني، بل في "التبلد الإنساني"، وتغليب الورق على الروح.
دعوتنا اليوم لمدراء المستشفيات وصناع القرار الطبي: لا تتركوا مرضاكم ضحية لـ "بروتوكولات قديمة" في عالم يتنفس "ابتكارات حديثة"، اجعلوا الرحمة هي البروتوكول الأول، والتحديث العلمي هو المحرك الأساسي، ومساعدة الإنسان هي روح إجراءاتكم، فالعمران الحقيقي يبدأ من حماية الروح، والطب الحقيقي هو الذي يداوي بقلبه قبل مشرطه.