فراس النعسان : ترامب في مرآة الرأي العام
أظهر استطلاع الرأي المشترك بين «رويترز» و»إبسوس» تراجعاً لافتاً في شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى 34 %، وهو أدنى مستوى منذ بداية ولايته الثانية، مع انزياح واضح في مؤشرات الرضا الشعبي تجاه أبرز ملفات حكمه، وفي مقدمتها الاقتصاد والتعامل مع الحرب مع إيران. هذا التراجع، وإن بدا رقمياً محدوداً، إلا أنه يعكس تغيراً أعمق في المزاج العام الأمريكي تجاه كلفة القرارات الخارجية على الداخل.
اللافت في نتائج الاستطلاع أن الانخفاض لم يأتِ من فراغ سياسي، بل من ضغط اقتصادي مباشر يعيشه المواطن الأمريكي. فقد تراجعت نسبة الرضا عن إدارة ترامب لملف تكاليف المعيشة من 25 % إلى 22 % فقط، في وقت ارتفعت فيه أسعار البنزين بأكثر من 40 % منذ بدء العمليات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير. هذا الربط بين الخارج والداخل لم يعد مجرد تحليل أكاديمي، بل أصبح تجربة يومية يشعر بها الناخب الأمريكي في محطة الوقود وسلة الاستهلاك.
في المقابل، يكشف الاستطلاع عن تحوّل أكثر حساسية يتعلق بمستقبل السياسة الخارجية الأمريكية، إذ تراجعت نسبة التأييد الشعبي للحرب مع إيران إلى 34 %، مقارنة بـ 36 % في منتصف أبريل و38 % في منتصف مارس. هذا الانحدار التدريجي يعكس تآكلاً في القبول الشعبي لفكرة الانخراط العسكري المفتوح، حتى وإن كان تحت عنوان الأمن القومي أو الردع الإقليمي.
هذه الأرقام تأتي في سياق سياسي داخلي معقّد، حيث يصبح أي قرار بتوسيع العمليات العسكرية أو فتح جبهات جديدة مرتبطاً بكلفة سياسية مباشرة على الإدارة الأمريكية. ومع اقتراب أي نقاش محتمل داخل واشنطن حول تفويضات الحرب أو طلب موافقة الكونغرس على توسيع العمليات، تبدو هذه النسب بمثابة إشارة تحذير مبكرة.
من زاوية أوسع، لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات في المزاج الأمريكي العام تجاه الحروب الخارجية. فهناك إرهاق متراكم من التدخلات الطويلة، وشعور متزايد بأن الكلفة الاقتصادية لم تعد منفصلة عن القرارات العسكرية. ارتفاع أسعار الطاقة، تحديداً، يعيد إلى الذاكرة كيف يمكن لملف خارجي أن يتحول سريعاً إلى ضغط داخلي على البيت الأبيض.
في هذا السياق، تصبح الحسابات السياسية لترامب أكثر تعقيداً. فالتفكير في طلب غطاء من الكونغرس لتوسيع أو استئناف العمليات العسكرية لا يرتبط فقط باعتبارات قانونية، بل أيضاً بميزان الرأي العام الذي يظهر ميلاً متزايداً للتحفظ.
كما أن تراجع الدعم الشعبي للحرب مع إيران إلى 34 % يعكس أيضاً فجوة بين الرؤية السياسية في واشنطن وبين مزاج الشارع الأمريكي.
الاستطلاع الذي شمل 1269 بالغاً أمريكياً لا يقدم فقط صورة رقمية، بل يضع مؤشراً على لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها السياسة الخارجية مع الداخل الاقتصادي.
في المحصلة، يجد الرئيس الأمريكي نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يوازن بين ضرورات الردع الخارجي، وضغط الداخل الذي بدأ يترجم السياسة الخارجية إلى عبء اقتصادي مباشر.