مهدي الشوابكة : الأردن أولاً: كيف يضع ولي العهد معادلة المرحلة المقبلة
في كلمة تحمل أبعاداً تتجاوز اللحظة، قدّم سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني خطاباً يمكن قراءته بوصفه خارطة طريق للشباب الأردني في مرحلة إقليمية معقدة ومفتوحة على احتمالات متعددة، إذ لم تكن رسائل ولي العهد مجرد عبارات تحفيزية تقليدية، بل جاءت مكثفة، واضحة، ومشحونة برؤية سياسية واجتماعية تعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة التحديات التي تواجه الدولة الأردنية.
منذ البداية، وضع سموه تعريفاً مختلفاً للعسكرية، باعتبارها «روح انتماء» وليست مجرد رتبة، وهو توصيف يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والدولة على أساس القيم لا الشكل، ويؤكد أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالمظاهر بل بالفعل والسلوك، وهي رسالة مهمة في زمن تتآكل فيه المفاهيم لصالح الشعارات.
اللافت في الخطاب أيضاً استحضار الإرث التاريخي، من خلال استذكار كلمات جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال، وهو استحضار لم يكن عاطفياً بقدر ما كان توظيفاً سياسياً ذكياً يعزز استمرارية النهج، ويؤكد أن «خدمة العلم» ليست برنامجاً مرحلياً، بل امتداد لفكرة الدولة القائمة على الولاء والانتماء.
وفي قلب الخطاب، برزت رسالة واضحة حول طبيعة المرحلة الراهنة، حين أشار ولي العهد إلى أن المنطقة تمر بمرحلة تصعيد تتطلب وعياً وجاهزية، وهنا ينتقل الخطاب من الإطار الرمزي إلى الواقعي، واضعاً الشباب أمام مسؤولياتهم في سياق إقليمي مضطرب، حيث لم يعد الحياد أو اللامبالاة خياراً.
لكن ربما الأهم في كلمة سموه هو الطرح المتوازن بين الثبات والتغيير، فالتأكيد على أن «قيمنا راسخة لا تتبدل» يترافق مع دعوة صريحة لترك أساليب الأمس، وهو ما يعكس فهماً عميقاً لمعركة الدول الحديثة: كيف تحافظ على هويتها دون أن تتحول إلى كيان جامد غير قادر على التكيف. وهنا تأتي عبارته بأن الخطر الحقيقي يكمن في الجمود، لتشكل محوراً فكرياً يمكن البناء عليه في فهم مستقبل السياسات العامة في الأردن.
كما يقدّم الخطاب قراءة مختلفة لموقع الأردن الجغرافي والسياسي، فبدلاً من النظر إلى «الموقع الملتهب» كعبء، يتم تقديمه كفرصة لصقل الشخصية الوطنية، وهي مقاربة ذكية تعيد تعريف التحديات بوصفها محفزات للإنجاز، وهو ما يفسر كيف استطاعت الدولة الأردنية، رغم محدودية الموارد، أن «تنجز الكثير بالقليل».
وفي جانب آخر، يضع ولي العهد الشباب في قلب المعادلة، ليس فقط كفئة مستهدفة، بل كفاعل رئيسي في مشروع الدولة، حين يؤكد أنهم «قوة الوطن وركيزته»، وهي رسالة تحمل في طياتها دعوة ضمنية لإعادة تموضع الشباب في الحياة العامة، بعيداً عن التهميش أو الدور الهامشي.
ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي والتنموي في الخطاب، حين يتحدث سموه عن أردن أقوى يعتمد على نفسه ويستثمر في التكنولوجيا ويجدد التزامه بالتعليم وبناء المهارات، وهي ثلاثية تشكل جوهر أي مشروع نهضوي حديث، وتنسجم مع التحولات العالمية التي تعيد تعريف مفهوم القوة من الموارد إلى المعرفة.
وفي بعده القيمي، يرسّخ الخطاب معادلة واضحة: لا مجد دون تحدٍ، ولا إنجاز دون صبر، ولا استمرارية دون عزيمة، وهي ليست مجرد عبارات بل تلخيص لفلسفة بناء الدول، خاصة في بيئة إقليمية مليئة بالضغوط.
وإذا ما قرأنا مجمل هذه الرسائل ضمن سياقها الأوسع، فإننا أمام مؤشر واضح بأن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة إدارة أزمات فقط، بل مرحلة بناء قوة شاملة، عنوانها دولة أكثر اعتماداً على ذاتها، وأكثر جهوزية، وأكثر تماسكاً، مدعومة بمؤسسات صلبة وجيش قوي يعكس عقيدة وطنية راسخة، ويشكل ركيزة أساسية في حماية الاستقرار وتعزيز حضور الأردن في محيطه.
في المحصلة يمكن القول إن كلمة ولي العهد لم تكن خطاباً احتفالياً بقدر ما كانت بياناً سياسياً ناعماً يحمل رسائل داخلية وخارجية، ويؤسس لمرحلة عنوانها التوازن بين الثوابت والتحديث، وبين الهوية والانفتاح، وبين الواقعية والطموح. ــ الدستور