د. محمد صبحي العايدي : الهوية والدين (2): حين يصبح الدين ميثاقا وطنيا ورسالة حضارية
من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة الدين اختزاله في كونه طقوساً فردية، وشعائر معزولة عن حركة المجتمع والتاريخ، حيث ينظر إليه البعض على أنه علاقة خاصة بين الإنسان وربه، لا تتجاوز جدران العبادة، بينما الحقيقة أن الدين يمثل مصدراً منتجاً للمعاني الحضارية، وليس مجرد منظومة أحكام، ويكون صانعاً للهوية، وليس مجرد ممارسة روحية.الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل بأن يعرف أصل وجوده، وغايته من هذا الوجود. فإن كانت السياسة تعنى بإدارة الواقع، فالدين يمنح الإنسان تفسيراً لهذا العالم، وقيمة لوجوده فيه، يعرفه بحقيقته، وبأطر التعامل مع الآخرين، وحدود العلاقات الإنسانية. بل يتعلق بالبنية العميقة التي تتجلى في ثبات الهوية الوطنية واستقرارها، كما أنه يمنع السلطة من التحول إلى آلة قهر منفلتة من الضوابط. صحيح أن الدولة تدار بالقانون، ولكن هذا القانون لا بد له من قيم عليا تحرسه من أن يصبح أداة بيد القوي، وهنا يكون للدين دور فوق السلطة باعتباره المرجعية الأخلاقية والقيمية العليا.
نعم، الدين ليس شأناً فردياً؛ إنه بمثابة ميثاق أخلاقي جماعي، وهو المرجعية
التي توحد المعيار القيمي للمجتمع، حيث لا تستطيع السياسة وحدها أن تفعل
ذلك. فغياب المرجعية القيمية الجامعة يسمح لكل فئة أو جماعة أو كيان داخل
الدولة، أن يضع لنفسه معياراً قيمياً خاصاً به، ويتعاطى به مع الآخرين، مما
يحول المجتمع إلى تجمع هش من القيم المتصارعة. مع أن الدين لا يمنع
الانتماءات الطبيعية والاجتماعية، لكنه يمنع تحولها من معيار للكرامة إلى
أداة للاستعلاء. كما أن المشكلة مع تجارب الإسلام السياسي ليست في كون
الدين مرجعية عليا، وإنما المشكلة حين يتحول الدين إلى أداة للإقصاء، أو
وسيلة للتخوين، أو سلاح لضرب الوحدة الوطنية، ويتجلى ذلك حين يُختزل الدين
باسم حزب، أو تُحتكر الأمة باسم جماعة.
لا يمكن لوطن أن يستقر على المدى الطويل إذا كانت الفضيلة نسبية، وحرمة
الدم والأسرة والعدل وجهة نظر خاضعة للأهواء المتباينة. فالدين كما يحفظ
علاقة الإنسان بربه، أيضاً يحفظ العقد الاجتماعي، والوعي الأخلاقي بين
الناس، حيث إن الانقسام المجتمعي لا يبدأ بالسياسة، بل بالأخلاق.
في هذا السياق يتجاوز الدين دور المرجعية الوطنية، ليكون هوية تعريفية أمام
العالم، كما تجلى ذلك في رسالة عمّان التي أطلقها جلالة الملك عبد الله
الثاني ابن الحسين كرؤية حضارية، ورسالة أخلاقية نُعرَّف من خلالها. فالدول
لا تُعرف فقط بحدودها الجغرافية، بل أيضاً بنظرتها الإنسانية، وبمصدر
قيمها الذي يمنحها شخصيتها التاريخية والحضارية، ولغتها التي تقدم نفسها من
خلالها للعالم.
ومن هنا فإن تهميش الدين أو السخرية منه ـ كما حدث مؤخراً من بعض الشباب
المنفلت ـ ليس رأياً شخصياً، بل إساءة مباشرة لمرجعية الأمة وقيمها وهويتها
الحضارية. كما أن إقصاءه باسم بعض الخطابات اليسارية التي تراه عائقاً
أمام التقدم، تصور قاصر؛ فالدين ليس قهراً ولا مجرد أحكام، بل مرجعية
أخلاقية تحفظ التوازن الاجتماعي، ويحتاجها حتى المختلفون في تفاصيل التدين.
فإذا انهارت هذه المنظومة، دخل المجتمع في الفوضى مهما امتلك من قوانين
ومؤسسات، وما شهدناه من جرائم صادمة كقتل الأب أبناءه الثلاثة ببرود، ليس
أزمة قانون، بل انهيار قيمي وفقدان للوازع الإنساني، والدين أحد أهم حصونه.
ولا نعني بالهوية الدينية كثرة الخطاب أو حفظ المظاهر، بل حضور الدين في
منظومة القيم والمسؤولية العامة. فالدين لا يفرض بالقوة، لكنه أيضاً لا
يجوز أن يحارب، لأن محاربته هي في حقيقتها استهداف لمصدر القيم، والسياج
الأخلاقي الذي يحمي المجتمع من التحلل الداخلي. لذلك فالأزمة ليست في الدين
كمرجعية، بل في سوء فهمه، حين يحوله البعض من مشروع حضاري إلى معركة
شعارات وأداة احتكار.
في النهاية.. الأمة قد يضعف اقتصادها، أو يعتريه الخلل وتبقى ثابتة، وقد
تتعرض لهزات سياسية ثم تنهض، لكنها إذا فقدت بوصلتها الأخلاقية والقيمية،
التي تعبر عن قيمها وهويتها التاريخية والمستقبلية، فإنها بلا شك ستبدأ
بالسقوط من الداخل قبل الخارج.
*باحث في الفكر الإسلامي
ــ الغد