الأخبار

القس سامر عازر : "لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه"

القس سامر عازر  : لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه
أخبارنا :  

القس سامر عازر

من أخطر ما يواجه عالمنا اليوم ليس الجهل بالحق، بل الإعراض عنه. فطريق الحق حاضر، لكنه طريق لا يسلكه إلا من امتلك إرادة صلبة، وروحًا متجذّرة في الله، وضميرًا حيًّا يستنير بنور الحق الإلهي. وهذه ليست فكرة نظرية، بل واقع إنساني يتكرر منذ فجر الخليقة.

إن الصراع القائم في عالمنا هو صراع قديم متجدّد بين الخير والشر؛ بين من يسلكون بحسب مشيئة الله وقيمه السامية، وبين من يختارون طرق الالتواء، مستعينين بحيل العالم وأساليبه، ولو كان الثمن استباحة كرامة الإنسان وحقوقه، بل وأحيانًا حياته نفسها. وهنا تتجلّى خطورة الابتعاد عن الحق، إذ لا يعود الإنسان يرى في الآخر أخًا، بل وسيلة أو عقبة، فتُداس الكرامة وتُستباح الحياة التي هي عطية إلهية مقدسة.

إن اختيار طريق الحق ليس خيارًا سهلاً، بل هو دعوة إلهية تتطلب شجاعة الإيمان وأمانة الضمير. فمن يسير في هذا الطريق قد يخسر امتيازات أرضية، وربما يتعرّض للرفض أو الاضطهاد، وقد يختبر وحدة الطريق. لكن هذه الوحدة ليست فراغًا، بل امتلاء بحضور الله. فالإنسان الذي يحيا في الحق، إنما يحيا بالله، والله لا يترك السالكين في طرقه.

لقد عبّر السيد المسيح عن هذه الحقيقة بوضوح حين قال: "ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك". فطريق الحق ضيّق، ليس لأنه يحرم الإنسان، بل لأنه ينقّيه ويحرّره من كل ما يشوّه إنسانيته. وهو الطريق الذي يقود إلى الحياة الحقيقية، لأن الحق ليس مجرد فكرة، بل هو حياة تُعاش في الله.

ومن هنا، فإن قداسة الحياة لا تُفهم إلا في ضوء الحق. فالإنسان، بما هو صورة الله، يحمل في ذاته كرامة لا تُمسّ. وكل خروج عن طريق الحق هو، في جوهره، انتهاك لقداسة هذه الحياة، سواء في الذات أو في الآخر. لذلك، فالسير في طريق الحق هو دفاع عن الحياة، وصون لقداستها، وشهادة حيّة لقيم المحبة والعدالة.

والقول المنسوب للإمام علي بن أبي طالب:
"لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه"، ليس مجرد حكمة، بل دعوة متجددة لكل إنسان أن لا يقيس الحق بالكثرة، بل بالأمانة له. كما أن العبارة المتداولة: "اِمْضِ فِي طَرِيقِ الحَقِّ وَلَوْ كُنْتَ وَحِيدًا"، تعبّر عن ذات المعنى: فأنت لست وحدك ما دمت في الحق، لأن الله معك. "فإن كان الله معنا، فمن علينا؟". إن ما نسعى إليه ليس مجدًا زائلًا، بل ثباتًا في الحق الذي يحرّر الإنسان: "وتعرفون الحق، والحق يحرّركم".

إن أجمل ما في الحياة ليس مجرد العيش، بل أن نعيش في الحق، لأن فيه تتحقق الحرية الحقيقية، وتتجلّى كرامة الإنسان، وتُصان قداسة الحياة. فالحق ليس طريقًا عابرًا، بل هو مسيرة خلاص، ونداء دائم لكل إنسان أن يكون شاهدًا للنور في عالم تتنازعه الظلمات.

مواضيع قد تهمك