الأخبار

م. عامر البشير : العامل خارج السياسات

م. عامر البشير : العامل خارج السياسات
أخبارنا :  

عيد العمال اختبار لا احتفال

في الأول من أيار، لا نحتفل… بل نختبر ما تبقّى من العامل في السياسات.
سؤال واحد، إن أردنا الصدق، يكفي: هل ما زال العامل في قلب الاقتصاد… أم أنه تراجع، بهدوء، إلى الهامش، حيث تُبنى البرامج حوله لا من أجله؟
الأعياد، في جوهرها، ليست طقوسًا، هي لحظات انكشاف، وعيد العمال تحديدًا لا يُقاس بما يُقال فيه، بل بما يُخفيه.

الحماية حين تغيّر سؤالها
الحماية الاجتماعية لم تبدأ كنظام، لم تكن يومًا جداول ولا مؤشرات، كانت فكرة بسيطة، وربما قاسية في صدقها: أن السوق وحده لا يكفي، وأن الإنسان لا يجوز أن يُختصر في رقم.
لكن شيئًا تغيّر… ليس فجأة، بل بتدرّج، تغيّر الاتجاه دون ضجيج.
لم تعد الحماية تسأل: كيف نحمي العمل؟ بدأت تسأل—دون أن تعلن ذلك—كيف تحافظ على نفسها، ومن هنا، بدأ الانزلاق.

أرقام تتحسن… وواقع لا يتغيّر
تكبر الموازنات… ولا يكبر الأثر بالقدر نفسه، تتوسع التغطية… لكن الحياة اليومية لا تشهد ذلك التوسع.
الأرقام تتحسن على الورق، لكن الشعور العام لا يتبدل، وكأن هناك شيئًا ما يُدار… دون أن يُحل.

لحظة تكشف المنظومة
في لحظة صغيرة، لكنها كاشفة، تختصر المشهد كله: ضرير في السبعين من عمره يُستبعد من المعونة التي كانت بالكاد تسدّ جزءًا من حاجته—ثلاثون دينارًا—لأن التعليمات لم تعد تنطبق عليه.
قد تبدو قصة عابرة، لكنها ليست كذلك، هي لحظة تتكلم فيها المنظومة بصوتها الحقيقي: الاستحقاق يُقاس بالنص… لا بالحاجة، والإنسان يُرى من خلال النموذج… لا من خلال واقعه.

إعادة تعريف العامل
العامل لم يُقصَ بقرار، لم يحدث ذلك بهذه الفجاجة، ما حدث أدق من ذلك بكثير: أُعيد تعريفه.
لم يعد فاعلًا في المعادلة، بل "مستفيدًا” منها، لم يعد منتجًا يُبنى عليه، بل ملفّ يدار، لم يعد يُقاس بما يخلق، بل بما يتلقّى.
وهذا أخطر من الإقصاء المباشر، لأن الإنسان لا يُستبعد… بل يُعاد تشكيله، حتى ينسجم مع منظومة لم تُخلق أصلًا له.

من إنهاء الحاجة إلى إدارتها
المشكلة ليست في وجود الحماية، بل في ما تصبح عليه حين تنفصل عن أصلها.
حين لا تُنتج قدرة على العمل، حين لا تفتح طريقًا للخروج من الحاجة، فهي لا تُنهي الهشاشة… بل تنظّمها.
تجعلها أكثر هدوءًا، أكثر قابلية للإدارة… لكنها لا تختفي.
وهنا يتغير معنى العدالة: من فكرة تريد تغيير الواقع، إلى نظام يُحسن التعامل معه كما هو.

حين تختل العلاقة بين العمل والحماية
الدولة التي تُجيد بناء شبكات حماية، لكنها لا تُجيد بناء اقتصاد يُنتج العمل، لا تقضي على الفقر… بل تتعامل معه بشكل أفضل.
والدولة التي تتحدث عن التمكين دون أن تضمن حدًا أدنى من الأمان، تضع الإنسان في اختبار دائم لا ينجح فيه إلا القليل.
المشكلة ليست في هذا الطرف أو ذاك… بل حين تختل العلاقة بينهما.
وحين تصبح الحماية بديلًا عن العمل، يتحول المجتمع—ببطء لا يُرى—من مجتمع يُنتج… إلى مجتمع ينتظر الاعانة، وتبقى الدّولة في مربّع الرّيعيه.

الخاتمة
نجاحٌ في الاتجاه الخطأ
عيد العمال، في النهاية، ليس مناسبة للخطابات… بل مرآة.
هل ما زال العامل هو من يدفع عجلة الاقتصاد؟ أم أصبح رقمًا في تقارير الحماية؟

المشكلة ليست أن الحماية الاجتماعية فشلت…المشكلة أنها نجحت—ولكن في الاتجاه الخطأ، نجحت في أن تصبح نظامًا قائمًا بذاته، مكتفيًا بمؤشراته، قادرًا على الاستمرار حتى دون أن يغيّر الواقع الذي وُجد من أجله.

الخطر ليس في السياسات حين تخطئ…
بل حين تعمل كما يجب—وهي تسير في الاتجاه الخاطئ، وبقيت شريحة واسعة من قطاع العمّال خارج اي مظّلة حماية اجتماعية.

وحين تُدار الحاجة بكفاءة…يصبح الاستغناء عنها خارج الأولويات



مواضيع قد تهمك