الأخبار
الرئيسية / اقتصاد

هل يستلم السوريون حوالاتهم الخارجية بالعملة المحلية ويخسرون 16% من قيمتها؟

هل يستلم السوريون حوالاتهم الخارجية بالعملة المحلية ويخسرون 16 من قيمتها؟
أخبارنا :  

تركت قرارات لمصرف سوريا المركزي تتعلق بتسليم بعض الحوالات الواردة بالعملة السورية، وإنشاء "سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب”، حالة من القلق والترقب بين عامة المواطنين ممن يعيشون على ما يستلمونه من حوالات خارجية.

واعتبر باحثون القرارات التي ستدخل حيز التنفيذ بداية الأسبوع المقبل، أنها محاولة للتحكم وضبط سوق سعر الصرف وتدفقات العملات الأجنبية، عبر توحيد مرجعية الأسعار من دون تحرير كامل لليرة.

سوق للعملات

ونهاية الأسبوع الماضي، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، عبر حسابه على "فيسبوك”، أنه قرر إحداث "سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” كخطوة محورية في مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي، مشيراً إلى أن هذه السوق الإلكترونية التي ستحدث لأول مرة في سوريا وفق المعايير الدولية، تهدف إلى تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يحدّ من التشوهات ويعكس قوى العرض والطلب بدقة وآنية، كما تسهم في تعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، الأمر الذي يدعم ثقة المتعاملين ويحدّ من المضاربات غير المنظمة، ويهدف أيضاً إلى القضاء على السوق السوداء وأي أسواق أخرى موازية، وذلك لأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً.

وبين أن السوق ستدار من خلال منصة تُحدَّث وفق المعايير الدولية، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويعزز كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب، ويخدم أهداف الاستقرار النقدي.

سوق العملات سيوفر منصة تُحدَّث وفق المعايير الدولية، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويعزز كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب

وفي منشورات لاحقة له عبر صفحته، أكد حصرية أن "التركيز على الاستقرار النقدي يعني أن السياسة النقدية يجب أن تبقى مرتبطة بالأساسيات الاقتصادية طويلة الأمد، وليس بالتقلبات اللحظية أو سلوك المضاربين في السوق الموازية، بهدف الحفاظ على عملة مستقرة تدعم النمو الاقتصادي وتخفف من عدم اليقين، وليس الانجرار وراء تحركات غير مستقرة لا تعكس الواقع الكامل.

وأكد أن رؤية مصرف سوريا المركزي، في ظل الفرص التي أتاحها رفع العقوبات، تقوم على البناء لا على الترقيع، ما يستدعي إعادة هندسة شاملة، وتنظيماً حديثاً للقطاع المالي، والأسواق، والمهن المرتبطة به.

وشدد حصرية على أن المركزي يتحرك وفق رؤية واضحة تضع في صلب كل قراراتها مصالح جميع المعنيين والناس أولاً، والدولة بوصفها في خدمة الناس، تليها الأعمال والمؤسسات المالية، وصولاً إلى المؤسسات المالية الدولية التي تتعامل معنا، والتي قد تتعرض لأي مخاطر في حال وجود خلل في آليات التعامل.

وشدد الحاكم على أن استراتيجية المركزي تقوم على أساس واضح يتمثل في سوق صرف متوازن وشفاف، وسعر صرف عادل، لأن التسعير الإداري يؤدي حتماً إلى اختلالات يستفيد منها القلة على حساب الأغلبية، فيجب أن يكون السعر ناتجاً عن سوق نزيه وشفاف يعكس الواقع الحقيقي. وأكد أن الاستقرار النقدي ليس خياراً، بل مسؤولية، وأي انحراف عنه يمسّ مباشرة حياة المواطنين ومعيشتهم، مؤكداً الالتزام بضبط السوق، بمهنية وبنزاهة وبشفافية، ومحاسبة كل من يحاول استغلال هذا القطاع على حساب الناس.

قلق بين المواطنين

وقبل الإعلان عن قرار إنشاء سوق العملات الأجنبية، كان "المركزي” قد أصدر قراراً ألزم فيه المصارف وشركات الصرافة وشركات الحوالات الداخلية المتعاقدة مع شبكات التحويل العالمية (موني غرام، ويسترن يونيون، شيفت) وغيرها، بتسليم المستفيدين جميع الحوالات التي ترد من الشبكات المذكورة بالليرة السورية.

وخلق تسريب القرار بشكل غير دقيق باعتباره يطال جميع الحوالات القادمة إلى سوريا، حالة من القلق والتخوف لأنه يعني خسارة المواطن نحو 16% من قيمة حوالته الخارجية نتيجة فروقات سعر الصرف بين وسطي النشرة الرسمية 113 ليرة قديمة للدولار، وسعر صرف السوق الموازية 132 ليرة.

قد يخسر المواطن نحو 16% من قيمة حوالته الخارجية نتيجة فروقات سعر الصرف بين وسطي النشرة الرسمية 113 ليرة قديمة للدولار، وسعر صرف السوق الموازية 132 ليرة

وحاول "المركزي” تدارك التلاعب بأجواء سوق الصرف، وأصدر توضيحاً أكد من خلاله أنه ليس المقصود من القرار تسليم جميع الحوالات بالليرة السورية، وإنما فقط الحوالات الواردة عبر شركات التحويل السريع مثل "ويسترن يونيون” ومثيلاتها، مشيراً إلى أنه، واستجابة لطلبات شركات التحويل، تقرر تأجيل تنفيذ الإجراء المذكور حتى تاريخ 1 أيار/ مايو المقبل لإتاحة الوقت اللازم لاستكمال الجاهزية الفنية المطلوبة، ومشدداً على أنه تبقى جميع الحوالات الأخرى تُسلّم بالعملة الواردة بها أو ما يعادلها بالليرة السورية وفق الأنظمة النافذة وحسب رغبة المستفيد.

زيادة الحوالات الخارجية

وفي تصريح لـ”القدس العربي”، قال مدير إحدى شركات الصرافة وتحويل الأموال المرخصة إن جميع شركات ومكاتب الحوالات والصرافة المرخصة، التي كانت تستقبل حوالات خارجية، ما زالت قادرة على تسليم الحوالات بالدولار أو بسعر صرف الليرة في السوق الموازية، باستثناء الشركات التي كانت تستقبل الحوالات عبر شركات عالمية مثل "ويسترن ينون” وهي موجودة لدى شركة الفؤاد، و”موني غرام” وهذه تستفيد من خدماتها بنوك "بركة” و”الوطني الإسلامي” و”بيمو”.

ووفقاً لبيانات "المركزي”، يبلغ العدد الإجمالي لشركات ومكاتب الصرافة المرخصة والمسجلة أصولاً في سوريا 40 شركة ومكتباً، تشمل 14 شركة مرخصة أساساً، و26 شركة حصلت على ترخيص مبدئي.

وبين المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أنه وقبل سقوط النظام لم تكن خدمة تسليم الحوالات بالدولار متاحة لأحد، وكان التسليم يتم بالليرة السورية ووفق سعر صرف "دولار الحوالات”، وكان عادة أقل من سعر صرف السوق السوداء بعدة آلاف من الليرات، ما دفع إلى ظهور شبكات تحويل أموال مخالفة ينشط من خلالها أشخاص يتعاملون مع مكاتب خارج سوريا، وكان هؤلاء يسلمون الحوالات بأسلوب التهريب وعبر الاتصال مع صاحب الحوالة من أرقام دولية عبر برنامج "واتس آب” لتحديد مكان تسليم الحوالة في أحد الشوارع من دون أي ضمانات.

وتابع المصدر: "بعد سقوط نظام الأسد، تُركت حرية عمليات التحويل للشركات المرخصة، بحسب رغبة المستلم إن كانت بالدولار أو بما يوازيها بالليرة حسب سعر صرف السوق الموازية، وانتهت هكذا ظاهرة التحويل خارج الأطر القانونية، وخصوصاً مع الترخيص لشركات جديدة فتحت عدداً كبيراً من الفروع، حتى بات البعض يتندر بأنها صارت أكثر من محلات الخضر والبقالات.

وكشف المصدر أن كمية الأموال المحولة إلى سوريا خلال السنة الأخيرة، قد تحسنت بالتأكيد عن حجمها قبل سقوط النظام، وكانت التقديرات حينها تتحدث عما بين 7- 8 ملايين دولار يومياً، وتقدر اليوم بنحو 11 مليون دولار، وذلك بسبب ترك حرية التحويل والاستلام بالعملة الصعبة أو بقيمتها في السوق الموازية، إلى جانب تدفق أموال من السوريين المقيمين في الخارج لذويهم العائدين إلى المناطق المحررة بهدف ترميم منازلهم وإعادة إكسائها وتجهيزها تمهيداً لعودتهم، مع زوال حالة الخوف من القصف والتدمير من جيش النظام الساقط.

كمية الأموال المحولة إلى سوريا خلال السنة الأخيرة، قد تحسنت عن حجمها قبل سقوط النظام

وتوقع المصدر أن يتأثر سعر صرف الليرة السورية بقرار إنشاء سوق دمشق للأوراق المالية، من دون أن يؤثر عليه قرار حصر تسليم الحوالات لدى بعض الشركات بالليرة السورية، موضحاً أنه لن يكون هناك فارق كبير بقيمة الحوالة المسلمة لوجود هامش للصرف محدد من المركزي بنسبة 15%، ما يتيح رفع سعر الدولار من 113 ليرة قديمة حسب "المركزي”، إلى نحو 127,5 ليرة، مقارنة بـ132 ليرة في السوق الموازية اليوم.

واستبعدأن ينعكس قرار تسليم الحوالات بالليرة السورية على حجم الواردة منها عبر الشركات الدولية المستهدفة بالقرار، لصالح الشركات السورية المرخصة، وقال إن الأمر لن يكون له تأثير يذكر، لأن شبكات مكاتب تلك الشركات الدولية منتشرة في معظم مدن العالم، وسيظل من كان يحوّل عبرها، إلا في حالات قليلة؛ وذلك لعدم توفر شبكة مشابهة منتشرة على المستوى الدولي للشركات السورية المرخصة.

لا تحرير لسعر الصرف

الأكاديمي والباحث الاقتصادي، زياد أيوب عربش، استبعد أن يؤدي قرار إنشاء سوق العملات الأجنبية إلى تحرير سعر صرف الليرة وتعويمها.

وقال في تصريح لـ”القدس العربي” إن القرار لا يعني بالضرورة ذلك، وعلى الأقل خلال الفترة القريبة، موضحاً أن القرار يهدف إلى تنظيم التداول وتوحيد مرجعية الأسعار عبر سوق إلكترونية متوازنة وشفافة، لكنه لا يعني تحريراً كاملاً لسعر الصرف، حيث يحتفظ المركزي بدور في الإشراف والتدخل المحتمل، وبالتالي سعر الصرف الرسمي سيظل مرجعاً للمعاملات الحكومية مثل التجارة والجمارك، مع الاعتماد على قوى العرض والطلب في السوق الجديدة.

عربش: تسليم الحوالات بالليرة السورية يُقرأ كإجراء انتقالي لتوجيه التدفقات إلى السوق الجديدة وضمان استقرار الليرة رغم التحرير التدريجي

وبين أن قرار إنشاء سوق العملات لا يشير صراحة إلى توفر ملاءة مالية كافية لتدخل يومي بهدف الحفاظ على استقرار قيمة الليرة، وخاصة مع الاحتياطيات المنخفضة تاريخياً في سوريا، معتبراً أن السوق قد تساعد في الحد من الضغط على الاحتياطي عبر تنظيم التداول، لكنه قد يتطلب تدخلات أولية تستهلك العملة الصعبة، ومشيراً إلى أنه بالمقابل ستكون المضاربة والكتلة النقدية تحت المراقبة، للحد من المضاربة في السوق السوداء والأسواق المجاورة من خلال الشفافية والتنظيم، وسيرتبط تعزيز تحكم المركزي بالكتلة النقدية باستبدال العملة الجديدة لضبط السيولة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى نهاية فورية وكاملة للمضاربة.

وأوضح أن قرار تسليم الحوالات بالليرة السورية يُقرأ كإجراء انتقالي لتوجيه التدفقات إلى السوق الجديدة وضمان استقرار الليرة رغم التحرير التدريجي، متمنياً أن يكون القرار إجراء مؤقتاً حتى إطلاق السوق، لأنه قد يدفع بعض التجار إلى مكاتب غير مرخصة إذا كان السعر الرسمي أقل جاذبية.

وأكد أن إنشاء سوق العملات الأجنبية سيعزز الاستقرار النقدي والشفافية، ويقلل التقلبات، ويحسن الثقة بالليرة، لكنه قد يرفع أسعار الاستيراد مؤقتاً، وإن كان توحيد الأسعار يحمي المواطن من الغش، لكن ارتفاع صرف الدولار سيزيد تكاليف المعيشة إذا لم يتبع بزيادات في رواتب الجميع.

مواضيع قد تهمك