عندما يسعى الأمل في غزة دون أقدام
في كل مرة تعبر فيها حافلة تقلّ أطفالا من غزة جسر الملك حسين إلى الأردن، لا تبدو الرحلة مجرد انتقال بين مكانين، بل مسار إنساني يحملهم من واقع مثقل بالألم إلى أفق مفتوح على الأمل.
هنا يتجسد الممر الطبي الأردني الذي وجّه به جلالة الملك عبدالله الثاني، بوصفه شريان حياة ينتظره أهالي قطاع غزة لإنقاذ أبنائهم، في ظل ظروف تتآكل فيها مقومات العيش يوما بعد يوم.
ففي غزة، تحولت أيام الأطفال من اللعب إلى مهام قاسية قد تغيّر مصيرهم في لحظة، وهو ما تجسده قصة الطفل أكرم 16 عاما، وهو من بين 81 طفلا أجلتهم القوات المسلحة الأردنية -الجيش العربي أمس الاثنين، ضمن مبادرة الممر الطبي الأردني، بالتعاون مع وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية.
"خرجتُ لأبحث عن حطب لتطبخ به عائلتي بعد أن أصبح الحصول على غاز حلما صعب المنال في غزة في ظل الحرب الأخيرة"، يقول أكرم لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، ويضيف "كنت أعرف أنا المهمة صعبة لكن لم يكن هناك خيار".
مشى أكرم خائفا بين الأنقاض وهو يأمل أن يعود بحزمة حطب، وعندما اقترب من إنجاز مهمته سمع دويّ انفجار غيّر مسار حيّاته إلى الأبد، إذ انتهت رحلة البحث دون حزمة حطب، وبجسم غض دون ساقين، فاجعة كان من الصعب على هذا الطفل أن يستوعبها، فبعد اليوم لا مشي، ولا ركض.
القصة نفسها تتكرر مع محمد (15 عاما)، وإن اختلفت تفاصيلها قليلا، وهو يروي لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) بصوت يختنق بالدموع " بعد بحث شاق وطويل عدت إلى بقايا منزلنا بقليل من الطعام ثم غفوت لارتاح قليلا".
ويضيف "ما هي سوى لحظات حتى مزّق سكون الليل صوت قذيفة دبابة" ليستيقظ وسط الركام والدمار، وبين الحياة والموت، بعد أن سقطت القذيفة قرب منزله ليُنقل إلى مستشفى في غزة حيث خضع لأيام من العلاج المكثف.
حين استعاد محمد وعيه، كان يواجه واقعا لم يكن يتخيله يوما: فقد ساقه اليسرى، وتضرر عظم ساقه الأخرى بشكل بالغ، لتتغير ملامح مستقبله إلى الأبد، لم يكن ما يثقل قلبه آلامه الجسدية، بل انكسار أحلامه البسيطة بمساعدة عائلته، فقد وجد نفسه فجأة أمام عجزٍ وإحباطٍ يفوق عمره الصغير.
لم تختلف مأساة يوسف عن أقرانه؛ فالمشهد يتكرر، وإن اختلفت التفاصيل، فهو خرج ليحمل ما استطاع من الماء لعائلته في ظل شحّ شديد يثقل الحياة في حيّه، كانت خطواته متعبة، لكن أمله كان بسيطا: أن يعود بوعاء صغير يطفئ عطشهم.
غير أنه لم يُكمل رحلته؛ ففي لحظة تبدّل كل شيء، وتحولت المهمة البسيطة إلى جرح كبير في حياته، وعاد يوسف دون ماء، ودون ساقين بعد أن فقداهما بإصابة مباشرة، فلم يعد سؤاله: متى نشرب الماء؟ بل كيف سأمشي من جديد، وكيف سأكمل حياتي؟.
ومنذ تلك اللحظة، تمر عليه الأيام ثقيلة ينظر إلى الأطفال من حوله، ويتخيل نفسه بينهم يركض كما يفعلون، الألم كان أكبر من جسده الصغير، لكنه لم يطفئ ما بداخله بالكامل.
قصص ليست حالات فردية، بل تعكس معاناة جيل كامل من الأطفال سرقتهم الحرب من مقاعد الدراسة وأحلام المستقبل، وزجت بهم في دوامة من الألم والخسارة.
وفي لحظة لم يكن يتوقعها أي من هؤلاء الأطفال، وصلتهم أخبار معالجتهم في الأردن ضمن مبادرة "الممر الطبي الأردني" التي انطلقت بتوجيهات ملكية في آذار 2025، لتركيب أطراف صناعية تساعدهم على الوقوف من جديد.
يروي هؤلاء كيف استقبلوا هم وأهلهم هذه البشرى بفرح غامر، ويؤكدون أنها لم تكن مجرد أخبار علاج، بل كانت شيئا أشبه بيد خفية داوت جراحهم وأحييت آمالهم بمستقبل لم يُغلق بابه أمامهم لأن الله سخرهم الله أناس يقفون لمساعدتهم.
وتؤكد أم محمد أن الممر الطبي الأردني أعاد الأمل لعائلتها بعد أن فقد ابنها محمد (10 أعوام) كفه اليسرى عندما انفجر جسم غريب كان يلهو به، ليجد نفسه أمام ألم وخوفٍ على مستقبله.
وقالت لم تسعنا الفرحة عندما علمنا بشمول محمد بالعلاج في الأردن ضمن الممر الطبي، لتركيب أطراف صناعية تعيد له جزءا من قدرته وثقته بنفسه، مؤكدا أن هذا الموقف ليس غريبا عن الأردن وقيادته الهاشمية فهو يقف دائما إلى جانب فلسطين وأهلها.
--(بترا)