الأخبار

حسام عايش : الجملة السياحية الأردنية

حسام عايش :  الجملة السياحية الأردنية
أخبارنا :  

تظهر بيانات القطاع السياحي عن الربع الأول 2026، مفارقة بين حدة الصدمة التي تعرض لها القطاع السياحي، وبين محدودية التراجع في الإيرادات.

فقد انخفض الدخل السياحي في شهر آذار 2026 الى 410 ملايين دولار بنسبة 5.4 % على أساس سنوي، وبنسبة بلغت 23.2 % مقارنة بشهر شباط السابق، في وقت وصلت فيه بعض الإلغاءات خلال آذار الى 100%؛ ما عكس شبه توقف فعلي للنشاط السياحي خلال فترة قصيرة.

ورغم ذلك، لم يتجاوز انخفاض الدخل السياحي خلال الربع الأول نسبة 3.8 % ليبلغ 1.65 مليار دولار مقارنة مع 1.7 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025، وهي نسبة تبدو محدودة إذا ما قورنت بتراجع النشاط في شهر آذار بأكثر من 70 % وفق تقديرات القطاع.

هذه المفارقة، تحتاج إلى تفسير؛ إذ كيف يمكن لانكماش بهذا الحجم في النشاط ولو لشهر واحد أن ينعكس بانخفاض طفيف نسبيا في الإيرادات، كما تطرح تساؤلات حول طبيعة تركيب الإيرادات السياحية، وقدرة المؤشرات التقليدية على إظهار الواقع الحقيقي للقطاع في الأزمات.

إذ عند قراءة البيانات حسب الجنسيات للربع الأول 2026، يظهر بوضوح أن القيمة المضافة للسائح تختلف بشكل جوهري بين الأسواق، فقد ارتفع الدخل السياحي من الأوروبيين 20 %، والآسيويين 4.7 %، والأميركيين 1.2%، وهي سياحة تكون أطول مدة، وأكثر إنفاقا عادة.

في المقابل، انخفض الدخل من الأردنيين المغتربين 10%، والعرب 2.2 %، والجنسيات الأخرى 24.0 %، والتي تميل إلى أنماط إنفاق أقل، أو زيارات أقصر؛ ما يقلل من أثر تراجع أعدادها على إجمالي الإيرادات مقارنة بتراجع السياحة الدولية.

هذه الفجوة بين العدد والدخل، ربما تفسر كيف أن تراجع النشاط السياحي قد لا ينعكس بالضرورة بالحدة نفسها على الدخل، فإلغاء المجموعات منخفضة الإنفاق لا يوازي بالضرورة خسارة مجموعات أصغر لكنها ذات إنفاق مرتفع، وهذا التفسير -في حال صحته- يظهر كيف أن انخفاض أعداد السياح لا يعني بالضرورة انخفاضا كبيرا في الدخل السياحي، وإن خفّض كثيرا في الحراك السياحي؛ ما يعني تركزا أعلى في الجذب السياحي الداخلي.

يعزز هذه القراءة، أداء عام 2025؛ إذ ارتفعت عائدات السياحة بنسبة 7.6% لتصل إلى 7.8 مليار دولار وعدد السياح 15.3%، مع نمو الإيرادات من الأوروبيين 39.8% والآسيويين 32.7% والأميركيين 18.8%، مقابل نمو محدود للعرب بنسبة 4 %، ما يظهر أن الأسواق الدولية تشكل المصدر الرئيس للدخل السياحي.

لكن، ومع ذلك، يظل الاعتماد على هذه الأسواق-رغم أهميته الكبيرة- نقطة ضعف في ظل حساسيتها العالية للأوضاع الجيوسياسية؛ ما يجعل السياحة الداخلية عامل استقرار سياحي في ظل تلك الأوضاع، رغم أنها لا تضاهي السياحة الخارجية من حيث الإنفاق، لكنها تلعب دورا مهما في تخفيف التقلبات الموسمية، والحفاظ على الحد المقبول من التشغيل السياحي. خصوصا وأن الأزمة الراهنة، بينت أن المشكلة ليست فقط في تراجع أعداد السياح، بل في هيكل السوق السياحي المعتمد في إيراداته على أسواق عالية المخاطر، ما يظهر أن الإيرادات وحدها لا تعني بالضرورة تعافي القطاع، بل قد تخفي تغيرا في تركيبته.

وعليه، فالنموذج السياحي الأنسب للاردن يقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: سياحة دولية عالية القيمة تقود الإيرادات. سياحة إقليمية /داخلية كثيفة الأعداد توفر الاستقرار-وتستقطب جزءا من السياحة الخارجية- ومنتج سياحي متنوع، يضمن استدامة القطاع، وهضم الصدمات، وتحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد في أوقات عدم اليقين.

فالعبرة السياحية، لا تكمن في ما يملكه البلد من مقومات فحسب، بل في قدرته على إعادة ابتكار تقديمها كتجربة مرنة ومتجددة وقابلة للتكيف مع الأزمات، بما يحافظ على جاذبيتها في مختلف الظروف، وعلى مدار العام.

ما يستدعي تعريفا جديدا للجملة السياحية، بوصفها منظومة قيمة تبدأ من لحظة التخطيط للرحلة، ولا تنتهي عند انتهاء الرحلة السياحية، وتشمل جودة التفاعل، وسهولة الوصول، والأنشطة المرافقة، والابتكار والتجديد في تصميم التجربة السياحية، وأخذها بالاعتبار السائح الأردني.

مواضيع قد تهمك