الأخبار

د. محمد صبحي العايدي : الأحزاب الدينية (3): قرن من التعبئة.. وسؤال الجدوى

د. محمد صبحي العايدي : الأحزاب الدينية (3): قرن من التعبئة.. وسؤال الجدوى
أخبارنا :  

على امتداد قرن كامل، ظلت الأحزاب الدينية تراكم حضورها في الوعي الجمعي، بوصفها مشروعًا خلاصيًا، ووعدًا تاريخيًا بإحياء الحالة المثالية وفق «النموذج الأمثل»، واستعادة العدالة، وإنهاء الفساد، الذي يُصور أنه قدر طارئ على الأمة، بلا وعي للتطورات المتداخلة والمتنوعة للحالة العامة التي مرت بها الأمة.

ومع ذلك، وبعد هذا الامتداد الزمني الطويل، يبرز السؤال الأهم: ماذا بقي من هذه الوعود المثالية؟ وهل كانت التعبئة التي استمرت عقودًا قادرة فعلًا على إنتاج واقع مختلف، أم أنها تحولت إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها؟ من الناحية النظرية، تقوم مشاريع الأحزاب الدينية على افتراض مركزي: أن الخلل في الواقع سببه الابتعاد عن «النموذج الصحيح»، وأن العودة إلى هذا النموذج كفيلة بإصلاح كل شيء. هذا الافتراض يحمل في طياته نزعة مثالية، إذ يتعامل مع الواقع بوصفه انحرافًا عن أصل كامل، لا بوصفه مسارًا معقدًا تتداخل فيه المصالح والبنى الاجتماعية والاقتصادية. وهنا تكمن أولى الإشكاليات: حين يُختزل الواقع في فكرة واحدة، يصبح الحل هو إعادة إنتاج الفكرة، لا فهم الواقع والقدرة على التعامل معه.
لكن الواقع في الحقيقة لا يعمل بهذه البساطة، فالدولة الحديثة ليست مجرد مساحة لتطبيق تصور مثالي أخلاقي، بل هي شبكة معقدة من المؤسسات والقوانين، والتوازنات، والعلاقات الدولية. وعندما تدخل الأحزاب الدينية هذا المجال، تصطدم بسرعة بحدود الفكرة التي حملتها، فتكتشف أن الشعارات لا تكفي لإدارة الاقتصاد، وأن الخطاب القيمي لا يحل أزمات البطالة، وأن استدعاء الماضي لا يقدم إجابات عن تحديات العصر. هنا يبدأ التوتر بين «الفكرة» و»الواقع».
وتتجلى إحدى أعمق المشكلات في الخلط بين ما هو دعوي مثالي، ومتطلبات الواقع السياسي المركب، إذ يُفرض تصور مكتمل على واقع متداخل ومعقد، دون امتلاك الأدوات الكافية لإدارة هذا الانتقال. هذا الخلط ينتج توترًا نظريًا وعمليًا في صياغة المواقف، وترددًا في بناء سياسات واقعية. ويزداد هذا الارتباك حين تتحول الأيديولوجيا التي تحملها هذه الأحزاب إلى بنية ذات طابع قطعي مغلق، تجعل أي مراجعة جذرية تبدو وكأنها مساس بالدين ذاته، لا باجتهاد بشري في فهمه. وهنا ترتفع كلفة المراجعة فكريًا وتنظيميًا وشعبيًا، إذ يُخشى أن تُفهم المراجعة عندهم كتراجع، وأن تفقد الحركة جزءًا من رصيدها الشعبي الذي بُني على صورة القطع والثابت، وبهذا تتآكل القدرة على إنتاج خطاب سياسي متزن واقعي.
وفي سياق موازٍ، يظهر اختزال تبسيطي للصراع السياسي، حيث يُقدم في صورة مباشرة، تغفل التعقيدات البنيوية وتقاطعاتها الاقتصادية والاجتماعية. هذا الاختزال يحجب العمق الحقيقي للشريعة نفسها، التي تقوم في جوهرها على مقاصد كلية، وقدرة عالية على استيعاب التحولات. فبدل التعمق في هذه المقاصد بما يمنح المرونة في الفهم والتطبيق، تُستبدل بقراءات جزئية تقيد الحركة بدل أن توسعها.
ولأن هذا التوتر يصعب حله، تلجأ هذه الأحزاب غالبًا إلى آلية بديلة: تكثيف التعبئة، بدل مراجعة الفكرة، ويتحول الخطاب: «أننا لم نُمنح الفرصة الكافية»، أو «أن هناك قوى تعرقل المشروع». وهكذا تستمر التعبئة ليصبح الحشد هو الإنجاز، والخطاب هو البديل عن الفعل، ومع مرور الوقت يتحول الخطاب إلى دائرة مغلقة يُعاد فيها إنتاج نفس المفاهيم ونفس الوعود، دون مراجعة جذرية. وهنا تعيش الحركات التعبوية على «زمن نفسي» ممتد تُؤجل فيه النتائج إلى المستقبل، لتصبح الوعود لا تُقاس بما تحقق، بل تخلق حالة دائمة من التعليق بين الأمل والواقع.
ولا يمكن إغفال عامل آخر يتمثل في التردد بين الانتماء الكامل للدولة الوطنية، وبين الاحتفاظ بخطاب يتجاوزها، أو يعيد تعريفها ضمن أطر أوسع، مما ينتج موقعًا ملتبسًا، يضعف القدرة على بناء مشروع سياسي وطني واضح المعالم.
وفي النهاية.. بعد قرن من التجربة، يمكن القول: إن التعبئة التي لا تُترجم إلى بناء مؤسسي، ولا تتحول إلى سياسات قابلة للتطبيق، تظل تدور في الفراغ. ويبدو أن المشكلة لم تكن في نقص الحضور، بل في طبيعة الفكرة التي حركت هذا الحضور، مما جعلها عاجزة عن بناء تصور متماسك للعمل السياسي الوطني، وعن إيجاد خطاب متزن يلامس الواقع، مما أفقدها القدرة على التطور، والمراجعة الذاتية الجذرية.

*باحث في الفكر الإسلامي

مواضيع قد تهمك