مصر: قانون أحوال شخصية جديد للمسيحيين… الطلاق مباح عند الإلحاد
ثامر هنداوي :
أعلنت الحكومة المصرية الانتهاء من إعداد مشروع قانون الأسرة للمسيحيين بصورة متكاملة. وحسب مصادر كنسية، فإن الكنائس وقعت قبل أشهر على مسودة مشروع القانون وقدمته لوزارة العدل تمهيداً لتقديمه إلى البرلمان لإقراره. وكشف المستشار نجيب جبرائيل، رئيس محكمة الأحوال الشخصية الأسبق، عن وجود نحو 270 ألف حالة طلاق للمسيحيين لا تزال منظورة أمام القضاء. ووصف القانون الجديد بأنه انفراجة تاريخية، متوقعاً أن يسهم في حل أكثر من 70% من النزاعات القائمة فور تطبيقه.
وبيّن أن القوة الحقيقية لهذا القانون تكمن في التوافق الكنسي الشامل، لافتاً إلى أن الطوائف الخمس في مصر وقعت على بنوده، ما ينهي عقوداً من التضارب التشريعي ويضع خارطة طريق واضحة وموحدة أمام القاضي المصري للبت في قضايا المسيحيين بسلاسة. وعن أهم البنود التي ستشهد تعديلاً في القانون الجديد، قال جبرائيل إن القانون استحدث مواد للطلاق لم تكن موجودة في القانون الحالي.
وأضاف: "حسب القانون الجديد، سيكون التطليق للهجر لمدة لا تقل عن 3 سنوات، والتطليق للإلحاد، والتطليق للإصابة بمرض الإيدز، والتطليق للزنا الحكمي، لافتاً إلى أن هناك توسعاً في إثبات الزنا الحكمي”. وبين أنه في حالة وجود خطابات غرامية أو فيديوهات أو أي شيء يدل على وجود خيانة زوجية فكل ذلك يُعد من الأدلة، لافتاً إلى أن هناك توسعاً في الطلاق في حالة العجز الجنسي أو الغش بالنسبة للزوجة فيما يخص كونها بكراً.
ولفت إلى أن القانون توسع في كل ما يدل على الغش، موضحاً أن الشخص الذي يتزوج من فتاة ويدّعى أنه حاصل على شهادة دكتوراه أو أي شهادة، ثم يثبت بعد الزواج أنه لم يحصل على هذا المؤهل، يُعد ذلك غشاً، ويحق للطرف الآخر المطالبة بالطلاق؛ لأن قاعدة "الغش يفسد كل شيء” تنطبق في هذه الحالة، لافتاً إلى أن القوانين الجديدة ستجعل ميراث الزوجة مثل ميراث الزوج، لأن القانون الحالي يجعل ميراث الزوجة نصف ميراث الزوج.
ويتكون مشروع القانون من عدة أبواب تشمل كل ما يتعلق بالأسرة، بدءاً من الخطبة والزواج، مروراً بالحقوق والواجبات، ووصولاً إلى الطلاق والنفقة والحضانة، كما يتضمن إنشاء لجان لتسوية المنازعات الأسرية، تكون قراراتها استرشادية للمحاكم، في محاولة لتقليل اللجوء إلى القضاء وتسريع حل النزاعات.
تحدثت مصادر كنسية عن أن أحد أبرز ملامح المشروع يتمثل في القضاء على ظاهرة تغيير الملة
وتحدثت مصادر كنسية عن أن أحد أبرز ملامح المشروع يتمثل في القضاء على ظاهرة تغيير الملة التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى وسيلة للتحايل على القوانين القائمة من أجل الحصول على الطلاق. وأكدت أن مشروع القانون نص على الاحتكام إلى شريعة العقد، أي أن الزواج يُحكم بالقواعد التي تم وفقاً لها، حتى لو قام أحد الطرفين بتغيير طائفته أو ديانته لاحقاً، لافتاً إلى أن هذا النص يمثل تحولاً جوهرياً، حيث يُغلِق باباً واسعاً من النزاعات ويضع حداً لما وصفه البعض بـ”مافيا تغيير الملة”.
وفيما يتعلق بالطلاق، أعاد القانون صياغة أسبابه بشكل أكثر وضوحاً واتساعاً، فلم يعد مقتصراً على علة الزنا فقط، بل شمل حالات أخرى مثل الهجر، والإلحاد، والانضمام إلى طائفة غير معترف بها، إلى جانب استحداث مفهوم "الطلاق المدني بالفرقة”، الذي يتيح للمحكمة إنهاء العلاقة الزوجية حال استحالة العشرة، بعد مدد زمنية محددة.
وشدد القانون على ضوابط الزواج مرة أخرة بعد الطلاق، إذ منع بشكل قاطع زواج من طلق لعلة الزنا أو غيّر ديانته أو انضم لطائفة أخرى، إلا بتصريح من الكنيسة، ما يعزز من دور المؤسسة الدينية في تنظيم هذا الملف، كما نص على اقتصار الزواج على أبناء الطائفة الواحدة، في محاولة للحفاظ على الخصوصية العقائدية لكل كنيسة، ومنع النزاعات التي قد تنشأ عن اختلاف المذاهب.
وتناول المشروع الجوانب الصحية والاجتماعية المرتبطة بالزواج، ووضع قائمة واضحة بموانع الزواج، من بينها الإصابة بالأمراض المزمنة أو العضال، أو الاضطرابات النفسية والعقلية، أو الإدمان، مع اشتراط العلم المسبق للطرفين بهذه الحالات، كما حدد نحو 10 أسباب لبطلان الزواج، تفرق بين البطلان والطلاق، مثل الغش أو التدليس أو وجود عيوب جوهرية في أحد الطرفين، وهو ما يعكس توجهاً نحو حماية العلاقة الزوجية من البداية.
وفيما يخص مسألة المواريث، نص على تطبيق الشريعة المسيحية بدلاً من الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية كما كان يحدث في السابق لغياب نص قانوني واضح، كما ألغى القانون نظام الخلع بالنسبة للمسيحيين، وأوقف اعتبار تغيير الملة سبباً للطلاق.
وأدخل القانون تعديلات على قضايا النفقة والرؤية، إذ سمح باستخدام الوسائل التكنولوجية في رؤية الأطفال، مثل التواصل عبر الإنترنت، كما تضمن القانون ملحقاً لعقد الزواج، يتيح للزوجين الاتفاق مسبقاً على تفاصيل الحياة المشتركة، مثل العمل والتعليم وتقسيم الأعباء، بما يقلل من احتمالات النزاع مستقبلاً.
مثلت قضية الطلاق إحدى أهم القضايا الشائكة التي تواجه المسيحيين في مصر
ومثلت قضية الطلاق إحدى أهم القضايا الشائكة التي تواجه المسيحيين في مصر، فلا يمكن لأي زوجين من الأقباط أن يتزوجا أو يتم الطلاق بينهما بالإرادة المنفردة أمام الدولة، فعقد الزواج لا يكون قانونياً وصحيحاً إلا إذا تم على يد الكاهن المعتمد لدى الدولة ولديه دفتر توثيق عقود الزواج من قبل وزارة العدل. وحينما يختلف زوجان لا يمكنهما الانفصال حتى لو اتفقا على ذلك إلا بموافقة الكنيسة، فهي الجهة الوحيدة التي يمكنها فض الزيجة.
وخلال التاريخ الحديث، تولت لائحة عام 1938 تنظيم قضايا الأحوال الشخصية للأقباط، إذ صدرت عن المجلس الملي العام في السنة ذاتها، وهو منتخب من الأقباط العلمانيين دون رجال الدين. وتشَكل المجلس لأول مرة في عام 1874، ودوره أشبه بالبرلمان في الرقابة على أمور الكنيسة الإدارية والمالية، ودخل معه البابوات في عداء وصراعات، إلى أن لم يعد له وجود حالياً منذ انتهاء مدة آخر مجلس منتخب في أبريل/ نيسان 2011.
وضمت لائحة 1938 للأحوال الشخصية 9 أسباب للطلاق، تشمل الخيانة، وترك أحد الزوجين المسيحية، وغياب أحد الزوجين 5 سنوات، والسجن 7 سنوات فأكثر، والجنون أو المرض المعدي غير القابل للشفاء، وعجز الزوج الجنسي، والاعتداء الجسدي، وسوء السلوك، وإساءة المعاشرة، أو الترهبن برضا الطرف الآخر. وفي عام 2008، أجرى البابا شنودة الثالث تعديلاً على لائحة 1938، بإلغاء جميع بنود الطلاق عدا بند الخيانة أو الزنا، والأمر راجع لرؤيته الشخصية، وأصحبت عبارته الشهيرة "لا طلاق إلا لعلة الزنا” نصاً شبه مقدس.
حصر أسباب الطلاق في علة الزنا أدى إلى ظهور أزمة "العائدون للمسيحية”، التي تسببت في مشكلات طائفية، خاصة في الفترة بين 2008 و2010، لأنه بعد تعديل اللائحة تم تقييد بند تغيير الطائفة المسيحية الذي كان يسهل الحصول على إجراء الطلاق بتحول أحد الزوجين لطائفة أخرى غير القبطية الأرثوذكسية، واضطر وقتها أصحاب مشاكل الطلاق للتحول إلى الدين الإسلامي للحصول على الطلاق، وبعدما حصلوا عليه أرادوا العودة للمسيحية لكنهم ووجهوا بالرفض من قبل أجهزة الدولة.
ــ القدس العربي