الأخبار

بسام البدارين : الأردن: دلالات هامة لتظاهرات «القدس خط أحمر»

بسام البدارين : الأردن: دلالات هامة لتظاهرات «القدس خط أحمر»
أخبارنا :  

بسام البدارين :

 الفعاليات الشعبية المنظمة التي شهدها الجمعة وسط العاصمة الأردنية عمان وعدة مناطق تحت عنوان «القدس خط أحمر» بدت حافلة ومفعمة بالدلالات السياسية والرمزية المسيسة، وبصيغة لا يمكن تجاهلها.

تزامناً مع صلاة الجمعة، انطلقت على نحو مفاجئ مسيرة خاصة منوعة بنكهة سياسية.
برز النشاط مباشرة بعد تأكيد العاهل الملك عبد الله الثاني في حوار الأربعاء الذي استضافه القصر الملكي مع نخبة من السياسيين الكبار، بأن إسرائيل استغلت ظروف الإقليم لفرض وقائع جديدة في القدس والضفة الغربية وحتى في لبنان.
والأهم هنا هو تلك الجزئية في الخطاب الملكي التي تلمح لـ «حملة دولية» تتصدى لذلك «الاستغلال» مع «جرعة تركيز» لها رمزيتها على «القدس والمسجد الأقصى» والرفض الأردني المطلق لأي «تغيير في اتفاقية الواقع الثابت في القدس حصراً.
خروج مسيرة جماعية مبرمجة تشارك فيها أحزاب الوسط وتيارات الموالاة ولجان المخيمات تحت عنوان «القدس خط أحمر» هو «حدث سياسي أردني» بامتياز.
والسبب اللوجستي أن تلك الفعالية كانت خالية من الإشراف التنظيمي المباشر للتيار الاسلامي الذي شارك رمزياً عبر لافتة أعرض لا علاقة لها بجماعة الإخوان المحظورة، هي اللجنة الوطنية لمجابهة التطبيع.

رفع المشاركون فيها شعارات «لبيك يا أقصى» و«لا للوطن البديل»

في الأثناء، رصد حضور ورمزي للعديد من المؤسسات الشعبية المحسوبة على الصف والموقف الرسمي؛ لأن الفعالية أعقبت الخلاصة المرجعية المعلنة التي تقول بأن «إسرائيل استغلت» وليس فقط بصدد «استغلال ظروف المنطقة» ولا بد من التحرك لردعها بالوسائل المتاحة.
ما لفت النظر هو مستوى التنظيم وحجم الدلالات، سواء في طبيعة وتركيبة الحضور الاجتماعي لهذه المسيرات أو في طبيعة العبارات والشعارات والهتافات التي استخدمت أو رفعت عبر يافطات.
المسيرة الرمزية في الواقع توحي بأن المزيد من المسيرات والوقفات التضامنية الأردنية المباشرة في طريقها للظهور ضمن سياقات استخدام ورقة شعبية في ملف مجمع عليه وطنياً، هو القدس.
وثمة تفصيلات في غاية الأهمية، حيث شعارات تؤكد وقوف الشعب الأردني خلف الملك عبد الله الثاني والموقف الأردني الموحد للدفاع عن المسجد الأقصى.
يمكن القول على نحو أو آخر سياسياً على الأقل، إن نشاط الجمعة في قلب العاصمة عمان بدا أقرب إلى صيغة تقول بأن «الوصي على مقدسات القدس يتحرك» والدولة الأردنية ليست بصدد تقديم أي تنازلات أو تسهيلات لدولة الكيان الإسرائيلي فيما يخص الوضع القائم أو اتفاقية الـ «الستاتس كو» في القدس.
فوق ذلك، عمان الشعبية في طريقها لمقاومة الاتجاه الإسرائيلي الخاص بعد فتح المسجد الأقصى، وإثر إغلاقه لـ 40 يوماً، والأهم برعاية الدولة.
تلك المسيرة والوقفة التي أعقبتها كانت لافتة من حيث الشعارات والهتافات.
تم التركيز في تلك الهتافات والشعارات واليافطات حصراً على الوقوف خلف الملك الأردني؛ بمعنى الوقوف خلف الوصي في موقفه الدفاعي عن القدس باعتبارها خطاً أحمر.
تلك رسالة سياسية مباشرة تتجاوز التلميح المعتاد، ولا يمكن تجاهلها، ومرسلة حقاً ودوماً لكل من يهمه الأمر في واشنطن وتل أبيب، حيث من تحدث في الشارع يتحدث ضمناً باسم الدولة أيضاً في ملف القدس والأقصى تحديداً.
أغلب التقدير أن الأردن الرسمي هنا يعلن توحد الشارع والدولة خلف الموقف الملكي المعلن، وأن تسهيلات يخطط لها الكيان عبر الضغط على عمان لن تعبر أو تحظى بالشرعية والإقرار.
وحصراً، عندما يتعلق الأمر بـ «اتفاق التقاسم الزماني والمكاني» الذي يطرحه اليمين الإسرائيلي أو بسيناريو «استبدال» ولاية طاقم الأوقاف الأردني بـ «وزارة الأديان الإسرائيلية» على الحرم المقدسي، أو تبديل الأمر الواقع بشأن الوصاية المستقر منذ عشرات السنين.
تقول عمان سياسياً هنا إنها لن تضفي أي شرعية تفاوضية على إجراءات إسرائيل الحالية واللاحقة في القدس والحرم المقدسي والمسجد الأقصى، حتى وإن أخفقت في ردع أو منع تلك الإجراءات.
تركيبة الحضور وعبارات اليافطات تبدو من العلامات الفارقة هنا التي لا يمكن الاستهانة بها.
شاركت في مسيرة الجمعة دواوين شعبية بصورة رمزية، من بينها ديوان عشائر بني قيس حصرياً، وهو ديوان يمثل واحدة من أكبر القبائل الموجودة بين الضفتين في الواقع.
كما شاركت لجان المخيمات، وهي رمزية مؤثرة؛ لأن تلك اللجان مرتبطة بالحسابات الرسمية في الواقع، وليس بحسابات التنظيمات لا الإسلامية ولا الفصائلية الفلسطينية.
والدلالة الأهم، مشاركة حزب الميثاق ـ أكبر أحزاب الوسط والموالاة؛ خلافاً لمشاركة جمعيات اجتماعية ومجالس محلية وحزب العمال.
اليافطات لها رمزيتها الدالة أيضاً، حيث رفعت صور الملك والعلم الأردني وزياً شعبياً باسم» النشامى» مع عبارات من طراز «معه وبه إنا ماضون» و«الله.. الوطن.. الملك» إلى جانب القدس، فيما حضر أطفال بالزي العسكري، ومجالس محلية وبلدية ترفع شعار «لبيك يا أقصى» وأخرى تقترح «لا للوطن البديل».
مثل تلك الوقفات الشعبية كانت لا توافق عليها السلطات دائماً، خصوصاً عندما ينظمها الإسلاميون المقربون من المقاومة الفلسطينية.
لذلك، ثمة رسائل في غاية الأهمية، ولعلها غير مسبوقة على مستوى التنظيمات المحلية والاجتماعية وليس السياسية فقط.
أحزاب الوسط كانت موجودة، والرسالة تم طرحها هنا بطريقة رمزية، وتعني عملياً بأن الدولة الأردنية في طريقها لتوحيد الشعب الأردني خلف القضية التي يرى الجميع أنها تمثل عنواناً صارخاً دوماً لوحدة الموقف والرأي، وهي قضية القدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية.
المشهد له دلالاته، خصوصاً مع غياب التنظيمات الكلاسيكية التي تمثل الحركات والفصائل الفلسطينية وغياب الحزب الكبير، وهو جبهة العمل الإسلامي، عن المشهد بحضور تنظيمي مكثف.
يمكن بناء استنتاج سياسي يقول إن عمان بدأت في تطبيق قواعد اشتباك لها علاقة بالوصاية والرعاية، والبداية من الشارع أو في الشارع.

وعليه، ثمة ما يوحي بأن معركة في الطريق سيخوضها الأردن تحت يافطة محاولة حماية القدس والمسجد الأقصى، والأرجح أن المبادرة بدأت وتحركت بلغة رمزية، والأسابيع المقبلة قد تشهد المزيد بصرف النظر عن النتائج. وهذا المسار يعني الكثير في الواقع.

ــ القدس العربي

مواضيع قد تهمك