الأخبار

هزاع البراري : المضيق الشرق أوسطي والخيارات الصعبة

هزاع البراري : المضيق الشرق أوسطي والخيارات الصعبة
أخبارنا :  

يبدو أن المنطقة تدخل عنق المضيق، ليس كسلاسل توريد واختناق اقتصادي عالمي وحسب، بل كحالة جيوسياسية أمنية بالغة التعقيد؛ وكأن العالم يجري عملية اجتثاث ورم مزمن وسط شبكة من الأعصاب الحساسة جدًا. الورم خبيث، والاجتثاث تأخر لكنه حتمي، والأعصاب يجب أن تبقى سليمة ومعافاة، وإلا فإن الثمن بالغ القسوة.

المسألة إذًا تدخل مرحلة الاحتمالات المركبة، التي لا تحمل وجهًا واحدًا، بل فيها الجيد ونقيضه معًا؛ الفوائد التي قد تتساوى مع الخسائر، أو الخيار المرّ الذي يوقف النزف لكنه لا يلغي الورم المزعج، وربما القاتل. وهذا ليس نصيب طرف واحد، إنما هو ما يواجهه جميع الأطراف في الحرب الدائرة رحاها بكل أصناف القوة.

الحرب طاحنة، وأمريكا تقودها نحو تصعيد متواتر في زيادة القوة التدميرية، مع تهديد أقرب إلى التحقق بإغراق إيران بالعتمة عبر ضرب محطات توليد الطاقة ومراكز القوى العسكرية والأمنية والبنى التحتية. وإيران تواصل الصمود، ولو ظاهريًا، مع الحفاظ على وتيرة الرشقات الصاروخية؛ وإن كانت أقل عددًا، لكنها تحاول الحفاظ على التوزيع الزمني، في إشارة إلى عدم التأثر أو التراجع نتيجة الضربات الأمريكية – الإسرائيلية. في مرحلة يحاول فيها كل طرف كتم جراحه وإعلاء شأن تصريحاته المضادة؛ فالحرب ليست في الميدان وحده، بل إن الإعلام شريك فتاك الفعالية أحيانًا، وهذا ما نلمسه من الأطراف كافة في تحريك عجلة الحرب الإعلامية، التي لا تقدم الحقيقة صافية، وهذا مقبول في عرف الحروب.

يتضح جليًا، من خلال سياق الحرب، أن إيران بلا قيادة سياسية، وأن فكرًا عسكريًا بحتًا متزمتًا هو من يمسك بزمام الأمور، وهذا ما جعل من بقي من ساسة إيران غير قادرين على تحويل أي مكاسب عسكرية، أو حتى الصمود الظاهري، إلى مكاسب سياسية تعيدهم إلى طاولة المفاوضات بشكل أفضل حالًا من استمرار الحرب بهذه الوتيرة المتصاعدة. فغياب التفكير السياسي يعمّق عزلة إيران، ويحشرها داخل مياه المضيق الضحلة، بلا أفق غير أفق الخسارة المحتومة مهما غلا ثمنها على الغرب. فالفكر الغربي الأمريكي لن يسمح لإيران أن تنتصر، مهما كان استمرار الحرب مؤلمًا له. فأمريكا، في عهد ترامب، إما أن تنتصر وإما أن تواصل الحرب، ولا خيار آخر. ولعل هذا هو واقع إسرائيل؛ فخسارة الحرب أكبر بكثير مما يمكن أن تتحمله من نتائج.

إدراك إيران لمأزقها العسكري، وليس السياسي لأنه مغيّب، دفعها إلى تفعيل جبهة حزب الله في لبنان، حتى أصبحت هذه الجبهة أكثر سخونة من الجبهة الصاروخية الإيرانية؛ فالمسافة قاتلة، والزمن مختزل، والتأثر بالغ الأثر. ولكن هل يدوم ذلك طويلًا؟ وهل في ذلك تضحية بحزب الله الذي ادُّخر لمثل هذا اليوم؟ أعتقد أن إسرائيل والغرب يفكران بالنتائج أكثر من تفكيرهما بالخسائر اليومية؛ لأن السؤال الأهم، إن استمرت الحرب أكثر، يتعلق بمخزون حزب الله من الأسلحة والصواريخ، والقدرة على استخدامها بسلاسة، وقد انقطعت خطوط الإمداد وتعطلت قدرات الإسناد من جهات أخرى. فالمأزق يتعاظم مع مواصلة إسرائيل قصف المستودعات والمنصات، واغتيال القادة، والتقدم البري.

ذهاب إيران إلى تفعيل دور الحوثيين المنهكين، وقد تراجعت قدراتهم الصاروخية وخفّ كثيرًا الإمداد الإيراني لهم بعد ما تلقوه من ضربات مؤلمة سابقة، يؤكد أيضًا أن مأزقًا عسكريًا إيرانيًا يصبح أكثر وضوحًا، وأن فعالية هذه الجبهات، التي تعاني أصلًا ضعفًا سابقًا نتيجة ما تعرضت له من ضربات قاسية، بالإضافة إلى ما تقوم به إيران تجاه دول الخليج والأردن وكردستان منذ الساعات الأولى للحرب، يزيد من مأزقها العسكري والسياسي، وتجاوزها للقانون الدولي، وفقدانها لحلفاء قادرين على صناعة الفرق. فتجد نفسها وحيدة تمامًا، في قدرات عسكرية صمدت حينًا، لكنها تنكمش وتتراجع بحكم المنطق العسكري والجيوسياسي، والعزلة السياسية والاقتصادية، وانفلاش الحلفاء من حولها، وضياع البوصلة السياسية أمام حكم عسكر الحرس الثوري. فالمأزق بالغ القسوة والتعقيد، والمضيق، حين يغلق أبوابه وتجف مياهه، سيكون الوقت قد فات على إيران، وتبخّرت كل احتمالات وأد الحرب المستعرة.

 

ــ الراي

مواضيع قد تهمك