الأخبار

م. مهند عباس حدادين : حرب إيران ...وأهداف غير معلنه.

م. مهند عباس حدادين : حرب إيران ...وأهداف غير معلنه.
أخبارنا :  

من يراقب الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ 6 أسابيع يلاحظ أن الصورة بدأت أوضح على الأرض لتحقيق أهداف الحرب التي قد تبدو مخفية، فما كان يسوّق له من تدمير للمشروع النووي الإيراني وتسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60% والذي يقدر ب400كغم لا يزال بحوزة الإيرانيين ،إضافة الى تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية التي لا زالت فعّالة في الوصول الى أهدافها،ناهيك على أن النظام الإيراني أصبح أكثر شراسة ،كل ذلك وتعلم الولايات المتحدة أن الضربات الجوية لا تحقق الأهداف ،فلها أن تتذكر حربها على العراق فبعد قصف جوي إستمر 42 يوما إضطرت الى الدخول البري.
إذن ماذا تريد الولايات المتحدة من إيران؟هل من المعقول أن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة بتكنولوجيا متقدمة وإمكانات لوجستية هائلة لم تستطيع إرغام إيران على التوصل الى نقاط مشتركة لحل الخلاف في ظل تدهور للإقتصاد العالمي بشكل عام وإقتصاد الولايات المتحدة بشكل خاص؟
إن ما تريده الولايات المتحدة هو رسم خارطة إقتصادية عالمية جديدة بدأتها في فنزويلا ،من خلال السيطرة على النفط العالمي والتحكم في تصديره وهي الآن تخوض حربا على إيران وتعلم بأن 20%من النفط العالمي و25%من الغاز العالمي يمران من مضيق هرمز مركز هذا الصراع .
إن فنزويلا تتربع على العرش العالمي كأكبر دولة في الإحتياط النفطي والذي يبلغ 303 مليار برميل،فكانت الخطوة الأولى لترمب هي ترتيب الحديقة الخلفية للولايات المتحدة مضافا لها كندا والتي قد تتعرض هي الأخرى في المنظور القريب لإجراءات مشابهة لفنزويلا لكن بطريقة أخرى، لأن كندا رابع دولة في الإحتياط النفطي العالمي ب 164 مليار برميل،في حين تحتل السعودية الدولة الثانية على العالم بإحتياط يبلغ 267 مليار برميل والتي أبعدتها الولايات المتحدة عن الإنضمام لبريكس في الوقت القريب، ولم يبق أمام الولايات المتحده سوى إيران والتي تحتل الثالث على العالم في الإحتياط النفطي بمقدار 209 مليار برميل ، في حين تحتل العراق الخامس عالميا بإحتياطي يبلغ 145 مليار برميل،ثم الإمارات بإحتياط 113 مليار برميل ،وأخيرا الكويت بإحتياط 102 مليار برميل ؛ بينما تملك الولايات المتحدة إحتياطا نفطيا يبلغ 55مليار برميل،ليصبح إحتياطي الدول الثماني السابقة الذكر هو 1.36 ترليون برميل من أصل 1.73 ترليون برميل إحتياطي دول العالم مجتمعة،لتشكل الدول الثماني 79%من الإحتياطي العالمي.
إذن رسم الخارطة الإقتصادية العالمية الجديدة هو السيطرة على النفط والغاز العالمي من خلال السيطرة على المضائق العالمية التي تنقلهما وإخضاع الدول المصدره لها، ولهذا السبب كان هناك نوايا لدى الرئيس ترمب لاسترجاع مضيق بنما والسيطرة على جزيرة غرينلاند، حيث أن التفكير في تغيير مسارات النفط والغاز في مضيق هرمز أصبح إستراتيجية وذلك من أجل إستهداف خطط المنافس الأكبر للولايات المتحدة وهي الصين في التحكم بمصادر الطاقة من نفط وغاز،فالصين تستورد قرابة 12 مليون برميل نفط، 60% من خلال الخليج العربي وإيران والكمية المتبقية يتم استيراد معظمها من روسيا ،فسواء اذا تحكمت الولايات المتحدة بهذا المضيق أو فكرت ببديل عنه فكلاهما سيصب في صالح الولايات المتحدة.
كيف تفكر الولايات المتحدة في تغيير خارطة النفط والغاز العالمية وما هي مبرراتها؟
إن ما تفكر فيه الولايات المتحدة هو نقل مركز النفط والغاز من مضيق هرمز الى شرق البحر المتوسط الى حليفتها إسرائيل ليكون بآمان أكثر من مضيق هرمز وخصوصا أن إيران قد تتحول الى دولة مليشيات ذات بنية تحتية مدمرة لا تستطيع الإلتزام بأمن المضيق لعدم قدرتها على بسط نفوذها على تلك المليشيات التي تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة مخبأة في الجبال ستهدد أمن المضيق في أي وقت مستقبلا ،لذلك ستقوم الولايات المتحدة بمد انابيب نفط وغاز للموانئ الإسرائيلية لتصديرها الى أوروبا،يضاف لذلك أن إسرائيل ستسطير على الساحل الشرقي للبحر المتوسط في الطاقة ،نظرا لأن إحتياطات هذا الساحل من الغاز تبلغ 300 ترليون قدم مكعب أي ما يعادل قرابة 8.5 ترليون متر مكعب ،وهذا سيتكفل بتأمين الغاز الأوروبي للعقد القادم حيث بلغ استهلاك أوروبا للعام الماضي من الغاز قرابة 360مليار متر مكعب،هذا الإجراء سيجبر جميع الدول النفطية الخليجية على التعامل التجاري مع إسرائيل وسيؤدي الى تطبيع بالمجان على حساب القضية الفلسطينية،وقد ترافق هذه الخطة أيضا إسقاط ذلك على مضيق باب المندب الذي يمر منه 11%من التجارة العالمية حيث ان جعل مضيق هرمز ومضيق باب المندب غير آمنين هو تعزيز لهذا المشروع الأمريكي الجديد.
كيف ستتأثر الصين بذلك؟ كل ذلك سيؤثر على الصين عند نقل مركز استيراد النفط والغاز من مضيق هرمز الى شرق المتوسط بسيطرة أمريكية،ويؤثر على خطط الصين المستقبلية وخصوصا مشروع الحزام والطريق؛ولن ينتهي الأمر الا بمد خطوط سكك حديديه لنقل البضائع متوازية مع خطوط النفط والغاز لربط شرق إسيا بأوروبا عبر موانئ شرق المتوسط فهذا يعني القضاء على خطط الصين المستقبلية ومنها مشروع الحزام والطريق، فالولايات المتحدة ماضية بخطط السيطرة على المنافذ المائية فمضيق بنما وجزيرة جرينلاند ما هي الا مسألة وقت للإستيلاء عليهما ،وقد رفعت الولايات المتحدة موازنتها الدفاعية للعام القادم بأكثر من 50% وذلك للتوجه بصناعة السفن حيث تريد تأمين جميع هذه المنافذ لتكون لها سيطرة مطلقة على البحار في العالم.
ان هذه السيطرة لن تكون سهلة بدون كسب روسيا الى صفها والتي لا زالت عالقة بأوكرنيا ،حيث ستستخدم الولايات المتحدة الورقة الأوكرانية لكسب الجانب الروسي الى صفها إضافة الى توزيع جزء بسيط من المكاسب عليها بصفقات تجارية .
في الختام من سيدفع فواتير حرب الولايات المتحده وما تسببه من أضرار بشرية ومادية ومعنوية على الدول المتضررة لتحقق الولايات المتحدة أهدافها الغير معلنة لدعم إقتصادها ودولارها وتثبيت حليفتها إسرائيل لعقود قادمة في منطقة الشرق الأوسط.
مدير مركز جوبكينز للدراسات الإستراتيجية.
الخبير والمحلل الإستراتيجي والإقتصادي.
المهندس مهند عباس حدادين

مواضيع قد تهمك