أ. د. ليث كمال نصراوين : قوة الأردن في مواجهة إسرائيل
نقلت مصادر صحفية عبرية أخبارا مفادها أن جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين قد رفض لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ما لم يتم الموافقة على مجموعة من الشروط المسبقة تتعلق بالأوضاع الحالية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي هذه الأوقات الحرجة التي يشهدها الإقليم، يأتي الموقف الأردني الرافض للقاء المسؤولين الإسرائيليين تعبيرا عن فهم عميق لمصادر قوته المستندة إلى القانون الدولي، وإدراك لحالة الضعف التي يعيشها الطرف الآخر.
إن الموقف الأردني في مواجهة الكيان المحتل لا يُقاس بمعايير القوة التقليدية، بل بقدرة قيادته على توظيف الشرعية الدولية في مواجهة الانتهاكات الجسيمة التي تقوم بها حكومة الاحتلال، إلى جانب شبكة العلاقات الواسعة التي نجح الأردن في بنائها على المستويين الإقليمي والعالمي. فعلى مدى عقود، رسّخ الأردن موقعه كشريك موثوق في الإقليم، وكدولة تحظى باحترام في العواصم المؤثرة، إلى جانب العلاقات التي تربطه بالعواصم العربية الفاعلة. وهذا الموقع يمنح الأردن قدرة على تسخير قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة لتعزيز موقفه السياسي في مواجهة دولة الكيان.
ويكتسب هذا الموقف قوة إضافية من زاوية قانونية لا تقل أهمية، تتمثل في ارتباط الأردن وإسرائيل بمعاهدة سلام قائمة تفرض جملة من الالتزامات المتبادلة. فما تقوم به حكومة الاحتلال من ممارسات في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك سياسات الضم والتهجير والانتهاكات المستمرة للوضع التاريخي والقانوني في القدس، لا يشكل فقط خرقا لقواعد القانون الدولي العام، بل يمثل أيضا إخلالا واضحا بما جرى الاتفاق عليه في معاهدة السلام، خاصة ما يتعلق بمبدأ حسن الجوار واحترام المصالح العليا للدولتين. وهذا الإخلال يمنح الأردن سندا قانونيا مضاعفا في مواجهة الحكومة الإسرائيلية الحالية، ويعزز من مشروعية مواقفه السياسية والدبلوماسية، باعتبارها دفاعا عن التزامات تعاقدية قائمة، وليس مجرد موقف سياسي عابر.
وانطلاقا من ذلك، عندما يربط الأردن أي لقاء سياسي مع حكومة الاحتلال بضرورة وقف إجراءات الضم، ومنع تهجير الفلسطينيين، والالتزام بمسار الدولة الفلسطينية، والحفاظ على الوضع التاريخي في القدس، فإنه لا يضع شروطا جديدة للتفاوض، بل يستند إلى ما جرى الاتفاق عليه بين الدولتين، وإلى قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، فضلا عما صدر عن الجهات القضائية الدولية من أحكام يصعب تجاهلها في المرحلة الحالية.
وما يعزز من صلابة الموقف الأردني حالة العزلة الدولية التي تعيشها دولة الكيان منذ اندلاع أحداث أكتوبر 2023. فمنذ ذلك التاريخ، وما استتبعه من تطورات سياسية وعسكرية، بدأت إسرائيل تدخل تدريجيا في حالة من التراجع في مكانتها الدولية، مع تصاعد الانتقادات لسلوكها في الأراضي الفلسطينية، وتآكل صورتها حتى لدى بعض حلفائها التقليديين.
ومن أبرز مظاهر هذه العزلة في محيطها الإقليمي، تصاعد التوتر مع دول الخليج العربي على خلفية الاعتداءات الإيرانية المتكررة التي طالت أراضيها، والتي ارتبطت بتداعيات السياسات العدوانية الصهيوأمريكية في المنطقة. وقد أسهم ذلك في تعميق الفجوة بين إسرائيل وهذه الدول، وإضعاف قدرتها على الحفاظ على علاقات مستقرة مع محيطها العربي.
وفي السياق ذاته، زادت القرارات الاستفزازية التي يتسابق وزراء الحكومة الحالية في إصدارها من تعقيد المشهد، بدلا من احتواء هذه العزلة والتعامل معها بحنكة سياسية. فتارة يتفاخر مسؤولون إسرائيليون بعرض خرائط تحمل دلالات توسعية تستفز دول الجوار، وتارة أخرى يتم الاحتفال بإقرار تشريعات تكرس الطابع العدواني لهذا الكيان، كان آخرها قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين. وتعكس هذه الخطوات توجها سياسيا طائشا يدفع نحو مزيد من القطيعة مع القانون الدولي، ويعمق عزلتها بدل أن يخففها.
وفي ظل هذه المعطيات، يمكن فهم الإلحاح الإسرائيلي المتزايد على فتح قنوات مع أطراف إقليمية وازنة، وعلى رأسها الأردن. فلقاء نتنياهو مع شخصية دولية وازنة بقيمة جلالة الملك في عمان لا يحمل فقط طابعا دبلوماسيا، بل يمثل محاولة لكسر صورة العزلة، وإظهار أن إسرائيل ما زالت قادرة على التواصل مع دول محورية في المنطقة. وحين تتزايد الضغوط الدولية على إسرائيل، وتكون قيادتها في حاجة إلى إنجاز سياسي خارجي، يصبح بإمكان الأردن أن يرفع سقف شروطه، مستندا إلى شرعية قانونية ودعم دولي وعربي.
في المقابل، فإن هذا الرفض الأردني يعد شكلا من أشكال الاستثمار في اللحظة، وتوظيفا للقانون الدولي لفرض معادلة سياسية مختلفة على أرض الواقع. وبين هذين المسارين، يتضح أن القوة الحقيقية لا تُختزل في أدوات الضغط التقليدية، بل تتجلى في القدرة على التمسك بالشرعية الدولية بحنكة واقتدار، وعلى استخدام القانون الدولي كأداة فاعلة في إدارة الصراع، رغم افتقاره إلى وسائل التنفيذ الحقيقية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com