الأخبار

محمود خطاطبة : الحرب.. القدرة على حماية الأنظمة الحيوية

محمود خطاطبة : الحرب.. القدرة على حماية الأنظمة الحيوية
أخبارنا :  

بدأت الأخبار تتوالى عن استهداف منشآت النفط والغاز في دول الخليج العربي، في صورة تعيد إلى الأذهان مشاهد ليست بعيدة، حين تعرضت منشآت «بقيق» و»خريص» في المملكة العربية السعودية لهجوم العام 2019، ما أدى حينها إلى تعطيل نحو نصف إنتاج المملكة النفطي مؤقتا، ورفع أسعار النفط عالميا خلال ساعات قليلة.

تلك الحادثة التي بدت في وقتها استثناء، أصبحت اليوم أقرب إلى نموذج يعاد إنتاجه في سياق أوسع مع تصاعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.. لكن ما تغير هذه المرة ليس فقط طبيعة الاستهداف، بل نطاقه واحتمالات توسعه، لاسيما مع تصاعد التهديدات لتشمل محطات تحلية المياه، التي تمثل شريان الحياة في دول الخليج، وهي بيئة تعتمد بشكل شبه كامل على هذه المحطات لتأمين المياه، لذا فإن أي قصف ولو كان محدودا قد يتحول إلى أزمة وجودية لا تقل خطورة عن انقطاع الطاقة.
نسأل الله السلامة لدولنا الحبيبة في الخليج العربي، ونرفض تماما أن يتم استهدافها، لكني أقول إن هذا التحول يعكس حقيقة أعمق، وهي أن البنية التحتية الحديثة بكل ما تمثله من تقدم، أصبحت في الوقت نفسه نقطة ضعف مركزية، فكلما زاد الاعتماد على أنظمة مترابطة ومعقدة زادت حساسية هذه الأنظمة لأي خلل أو استهداف، فضربة واحدة مدروسة قد لا تدمر النظام بالكامل، لكنها كافية لتعطيله أو على الأقل لإرباكه في لحظة حرجة.
الأسواق العالمية لم تنتظر طويلا لتظهر رد فعلها، فمع كل تصعيد تتحرك أسعار النفط صعودا، بل إن المستثمرين بطبيعتهم لا ينتظرون وقوع الأزمة، بل يتفاعلون مع احتمالها، وهذا ما يجعل مجرد التهديد في كثير من الأحيان كافيا لإحداث اضطراب في الأسواق، ليضيف طبقة من التعقيد على تضييق الخناق في مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه بدأت مراكز القرار المالي في إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمنطقة، فدول الخليج التي بنيت سمعتها على مدى عقود باعتبارها بيئة مستقرة وآمنة للاستثمار والثروة، تواجه اليوم اختبارا مختلفا، ليس لأن بنيتها التحتية ضعيفة، بل لأنها أصبحت مرئية وقابلة للاستهداف في سياق صراع إقليمي مفتوح.. وهذا البعد المعنوي لا يقل أهمية عن الأضرار المادية، فالثقة التي تبنى ببطء يمكن أن تتآكل بسرعة.
ومع كل حادثة أو تهديد، يعاد طرح السؤال في أروقة المستثمرين هل ما تزال هذه المنطقة ملاذا آمنا أم أنها أصبحت جزءا من معادلة أخطار أوسع؟، أما على المستوى الدولي، فالصورة أكثر تعقيدا، فالقوى الكبرى تراقب بحذر لأنها تدرك أن أي اضطراب كبير في الخليج لا يقتصر تأثيره على المنطقة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
أوروبا التي تعتمد جزئيا على واردات الطاقة، وآسيا التي تمثل المستهلك الأكبر، تجد نفسها أمام معادلة صعبة، والتي تتمثل بالحاجة إلى الاستقرار مقابل واقع جيوسياسي يتجه نحو التصعيد.. وفي هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت اختبارا لقدرة الأنظمة الحديثة على الصمود، فالتكنولوجيا التي كانت تعتبر درعا تحولت إلى هدف، والبنية التحتية التي كانت رمزا للقوة أصبحت نقطة اختبار لهذه القوة.
وفي النهاية، ما تكشفه هذه المرحلة هو أن مفهوم الأمن نفسه يتغير، إذ لم يعد الأمن يعني حماية الحدود فقط، بل حماية الوظائف الحيوية التي يقوم عليها المجتمع، فالطاقة والمياه والاتصالات هذه لم تعد خدمات، بل أصبحت خطوط دفاع أولى.. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: ليس من الأقوى عسكريا؟ بل من الأكثر قدرة على الاستمرار عندما تستهدف أنظمته الحيوية؟ ــ الغد

مواضيع قد تهمك