زياد فرحان المجالي : "الدستور".. حين يصبح الصباح ذاكرة وطن
ليست
بعض الصحف أوراقًا تُطوى بعد القراءة، ولا أخبارًا تنتهي بانتهاء النهار،
بل تتحوّل مع الزمن إلى جزء من الذاكرة العامة، وإلى ملمح من ملامح البلاد
وهي تتكوّن في وجدان أهلها. ومن هذا النوع كانت الدستور، ولا تزال؛ صحيفة
لم تعش على هامش الحياة الأردنية، بل كانت في صميمها، شاهدةً على
تحوّلاتها، ومرافقةً لنبضها، وحاضرةً في صباحاتها كما لو أنها طقس من طقوس
البيت الأردني نفسه.
ستون عامًا
ليست رقمًا عابرًا في عمر صحيفة، بل هي عمر أجيال كاملة فتحت أعينها على
اسم الدستور مطبوعًا بثقة، وعلى غلافها الذي يحمل هيبة المهنة ووقار
المعنى، وعلى حروفها الحمراء التي لم تكن لونًا فقط، بل علامةً ثابتة في
ذاكرة الصباح. كانت الجريدة تصل مبكرًا، فتأخذ مكانها قرب فنجان القهوة،
كأنها جزء من ترتيب النهار، وكأن القارئ الأردني كان يبحث فيها، كل صباح،
عن شيء أكبر من الخبر: عن نبرة البلد، وعن صورة الناس، وعن ذلك الإحساس
المطمئن بأن للكلمة بيتًا ما زال عامرًا.
ما
يميز الدستور أنها لم تكن مجرد صحيفة تُقرأ، بل مدرسة تُعاش. على صفحاتها
مرّ كتّاب كبار، وأقلام تركت أثرها في الوعي واللغة والنقاش العام. لم تكن
الأسماء التي كتبت فيها مجرد مهنٍ تمارس الكتابة، بل كانت وجوهًا من وجوه
الثقافة الأردنية والعربية، صنعت علاقة مختلفة بين القارئ والنص، وبين
المواطن واليوميات، وبين الخبر ومكانته في تشكيل الرأي والذائقة والاهتمام
بالشأن العام.
كبرنا مع الدستور،
وكبرت معنا. قرأنا فيها الوطن وهو يتبدّل، والمجتمع وهو يعبر مراحله،
والسياسة وهي تصعد وتهبط، والناس وهم يتركون بصماتهم على وجه هذا البلد.
وحين نتذكرها اليوم، فإننا لا نتذكر صحيفة وحسب، بل نتذكر زمنًا كاملًا من
الألفة؛ أكشاك الصباح، ودفء الورق، وصوت تقليب الصفحات، وصور الراحلين
الذين مروا من هنا وتركوا شيئًا من أرواحهم بين السطور.
في
الدستور شيء من ملامح الأردن العميقة: الرصانة، والاتزان، والقرب من الناس
بلا ضجيج، والقدرة على أن تكون وقورة من دون أن تتعالى، وحاضرة من دون أن
تصرخ. ولهذا استحقت مكانتها، لا لأن الزمن مرّ بها، بل لأنها كانت قادرة
على أن تمرّ مع الزمن محافظةً على جوهرها، وعلى ذلك الخيط الرفيع الذي يربط
المهنة بالشرف، والكتابة بالمسؤولية، والصحيفة بصورة الوطن في عيون أبنائه.
في
عيدها الستين، لا أكتب تهنئة تقليدية، بل أكتب اعترافًا وجدانيًا صادقًا:
الدستور ليست جريدة في حياتنا فقط، بل فصل من فصول العمر الأردني الجميل.
ومن شرف القلب أن يخفق لها حبًا، لأنها كبرت مع الأردن، وكبرنا معها،
وبقيت، رغم تغير الوجوه والأزمنة، واحدة من العلامات التي يصعب أن تُقرأ
ببرود، لأنها تُلامس فينا شيئًا يشبه البيت، ويشبه الصباح، ويشبه الوطن.