"خالد درويش" يعيد صياغة ذاكرة الخشب والبلاط بنسج حكايات فنية في البيت العربي
يثابر خالد درويش على نسج حكايات فنية في البيت العربي، واضعا بصمته في مشاريع إنتاجية تحفظ هوية المكان وتفتح آفاقا إبداعية في ريادة الأعمال.
ويوظف درويش شغفه بالهوية العربية في مشروعه "tiles-jo" الذي يجسد وحدة الفن والحرف ويقرنهما لتبوحا بسحر المكان الذي يفوح برائحة المنتجات الطبيعية التي تضفي جمالا أخاذا انسحب من المشهد أمام هجمة المستوردات.
ويستعيد بدايات حكايته مع الخشب والبلاط منذ محاولته إصلاح صينية ضيافة "صناعة خليلية" تكسرت بلاطاتها أثناء شحنها من الخليل، وتعذر عليه إيجاد بلاط بديل لها في السوق المحلي.
يقول "بحثت عن بلاط مشابه ولم أجد، أدركت حينها أن هذا النوع من البلاط غير متوفر لأن المصانع تتجه لإنتاج الأحجام الكبيرة الأكثر مبيعا والأقل كلفة، ففكرت في صناعة بلاط مزخرف مخصص للمشغولات اليدوية".
بعد محاولات وتجارب، تمكن من الوصول إلى طريقة لصناعة هذا البلاط، وبدأ باستخدامه في الصواني الخشبية، قبل أن تتوسع الأفكار إلى منتجات أخرى؛ صناديق ضيافة، مرايا، طاولات، وخزائن خشبية صغيرة "بيروهات" وغيرها من القطع التي تجمع بين الخشب الطبيعي والبلاط المزخرف.
ويؤكد أنه يضع جودة الخشب في مقدمة أولوياته، فلا يستخدم إلا أجود الأنواع من الأخشاب الطبيعية، "بغض النظر عن الكلفة" ارتقاء بالمنتج إلى أعلى مستوى ممكن.
وتعود بداية مشروعه إلى فترة الحظر الذي فرض في مطلع 2020 بسبب جائحة كورونا، إذ استثمر تلك الفترة في العمل في المنزل، ثم وسع نشاطه بعد انتهاء الأزمة، مشيرا إلى أن بعض الأفكار قدمها زبائن طلبوا منتجات جديدة لم يسبق له تنفيذها، فحولها إلى نماذج معتمدة تضاف إلى قائمة منتجاته.
وعن أسعار منتجاته بين درويش بأنها مرتبطة بمدى الحجم والتفاصيل ولا يتوفر لديه قائمة أسعار ثابتة، فلكل قطعة سعر من واقع تفاصيلها، إذ يستغرق تفاصيل القطعة الواحدة ما بين 3 - 7 أيام عمل.
ويعمل درويش في المنزل وينسق مراحل التنفيذ بين عدة جهات؛ النجار، الحداد، فني قص "الراوتر" لحفر فتحات البلاط، معلم الدهان، فني الزجاج والمرايا، تجار مواد البناء واكسسوارات الخشب، قبل أن تعود القطعة إليه لينجز تركيب البلاط والتشطيب النهائي يدويا.
ويضع نصب عينيه اليوم هدفا مستقبليا، بنقل هذا العمل اليدوي المنزلي إلى مستوى صناعة متكاملة، وصولا إلى التصدير.
ويقول أستاذ إدارة الأعمال في جامعة آل البيت الدكتور بهجت الجوازنة، إن المشاريع الصغيرة، لا سيما الريادية منها، تشكل النواة الأساسية لنشوء المشاريع الكبرى، لافتا إلى أن معظم الشركات العملاقة على مستوى الدول والعالم بدأت بفكرة بسيطة في ذهن شاب طموح يسعى لإحداث تغيير على الصعيدين الشخصي والمجتمعي.
وبين في حديثه لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن أي مجتمع لا يمكن أن ينهض من دون توفير بيئة حاضنة وداعمة لأفكار الشباب وإبداعاتهم، منوها أنه لمس من خلال عمله في القطاع الأكاديمي، وجود عدد كبير من الشباب في الأردن يمتلكون أفكارا خلاقة ومشاريع واعدة، إلا أنهم ينتظرون الدعم والتوجيه والتمكين لتحويل هذه الأفكار إلى مشاريع منتجة على أرض الواقع.
ويشير الجوازنة إلى أن تجارب دول مثل الصين وماليزيا تظهر أن النهضة الاقتصادية التي تشهدها اليوم هي حصيلة تراكم طويل في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتبني سياسات حكومية شجعت الابتكار وروح المبادرة.
.jpg)
ولفت إلى أن المشروع الريادي الصغير، الذي يقدم منتجا أو خدمة بشكل متميز، لا يقتصر أثره على صاحبه فحسب، بل يفتح آفاقا واسعة لفرص عمل جديدة، وينشط قطاعات متعددة في الصناعة أو الخدمات، لتكون جزءا أساسيا من سلسلة القيمة للمنتج أو الخدمة النهائية، ضمن ما يعرف باقتصاد ريادة الأعمال.
وأوضح أن تطور هذه المشاريع ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني، من خلال المساهمة في خفض معدلات البطالة، وتحسين الميزان التجاري عبر تعزيز الصادرات وتقليل الاعتماد على المستوردات، إضافة إلى زيادة إيرادات الدولة من الضرائب.
وأكد أن العديد من الدراسات تشير إلى وجود علاقة بين ارتفاع معدلات البطالة وزيادة الجريمة، وعليه فإن انتشار المشاريع الصغيرة والريادية يسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وخفض معدلات الجريمة.
وتشير دراسات إلى أن المنشآت الصغرى والصغيرة والمتوسطة تشكل نحو ما نسبته 99.5 بالمئة من إجمالي المنشآت الاقتصادية العاملة في المملكة، وتشغل نحو 60 بالمئة من إجمالي القوى العاملة، ولعل أبرز ما يميزها هو مساهمتها في توفير ما يزيد على نصف فرص العمل المستحدثة سنويا في الاقتصاد الأردني، وفقا لما ورد في مسوحات فرص العمل المستحدثة والمنشورة من قبل دائرة الإحصاءات العامة.
وأكد الجوازنة، أن دعم المشاريع الصغيرة ليس خيارا تنمويا فحسب، بل هو استثمار استراتيجي في طاقات الشباب، ومحرك أساسي لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل.