د. عبد الله محمد القضاة : الدولة المدنية
يُعد مفهوم الدولة المدنية في الأردن من أبرز الموضوعات التي تثير الجدل والنقاش في الأوساط السياسية والأكاديمية، لا سيما مع تزايد الدعوات الملكية والشعبية نحو تحديث المنظومة السياسية. يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل معمق لفرص نجاح هذا النموذج في بيئة اجتماعية تتميز بخصوصية عشائرية متجذرة، مع استعراض التحديات والمتطلبات، واستلهام الممارسات الدولية الفضلى.
في السياق الأردني، حسمت الأوراق النقاشية الملكية، وتحديداً الورقة السادسة، اللبس حول مفهوم الدولة المدنية. فهي لا تعني دولة علمانية تفصل الدين عن الحياة العامة، بل هي دولة قانون تستند إلى الدستور، وتحترم التعددية، وتضمن المواطنة الفاعلة. وقد استندت المرجعية التاريخية التي اعتمدها الملك عبدالله الثاني إلى "صحيفة المدينة"، التي تُعد أول دستور مدني نظم العلاقة بين مكونات المجتمع على أساس المواطنة لا العرق أو الدين.
إن الدولة المدنية المنشودة في الأردن لا تستلزم بالضرورة استنساخ النموذج الغربي. فبينما تعتمد المرجعية للدولة المدنية الغربية على الدساتير والعقلانية المحضة، فإن الدستور والقيم الدينية والأخلاقية تشكل مرجعية الدولة المدنية في الأردن. وفي النموذج الغربي، يوجد فصل تام للدين عن مؤسسات الدولة، لكن في سياقنا المدني، يشكل الدين جزءاً من الهوية ومنظومة الأخلاق. ومع ذلك، يتشابه النموذجان في اعتبار المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، وسيادة القانون على الجميع.
وهنا يطرح تساؤل هام: هل تتناقض العشائرية مع الدولة المدنية؟ يسود اعتقاد خاطئ بأن العشائرية هي العائق الوحيد أمام مدنية الدولة. إلا أن الحقيقة السوسيولوجية تشير إلى أن العشيرة في الأردن تمثل "رأس مال اجتماعي" وصمام أمان للمجتمع. يظهر التناقض فقط عندما تتحول العشيرة من مؤسسة اجتماعية تكافلية إلى "وحدة سياسية" تنافس الدولة في سلطتها أو تعيق سيادة القانون من خلال "الواسطة" أو التجاوزات العرفية. إن الدولة المدنية لا تلغي العشيرة، بل تؤطر دورها ليكون رافداً اجتماعياً، بينما تظل الولاية السياسية والقانونية للدولة وحدها.
وعليه؛ يمكن نجاح الدولة المدنية في الأردن إذا تم الانتقال من "العشائرية السياسية" التي تفرز تمثيلاً قائماً على صلة الدم، إلى "المواطنة البرامجية" التي تفرز تمثيلاً قائماً على الكفاءة والبرامج، مع بقاء العشيرة كإطار اجتماعي يحفظ القيم والهوية.
أما التساؤل الآخر فيتعلق بتحديات الأحزاب السياسية ومتطلبات النجاح. فالأحزاب التي تتبنى الفكر المدني تواجه تحديات جسيمة، أبرزها ضعف الثقة الشعبية في العمل الحزبي، وهيمنة التصويت العشائري في الدوائر المحلية. ومع ذلك، فإن قانون الانتخاب الجديد (2024) الذي خصص مقاعد للقائمة الوطنية الحزبية، يمثل فرصة ذهبية لهذه الأحزاب. لكي ينجح أي حزب مدني، عليه استيفاء المتطلبات التالية:
أولا: البرامجية الواقعية: الابتعاد عن الشعارات الأيديولوجية الجوفاء والتركيز على حلول عملية لمشاكل الفقر، البطالة، التعليم، والحماية الاجتماعية.
ثانيا: التغلغل في المحافظات: كسر حصر العمل الحزبي في العاصمة عمان، والوصول إلى القواعد العشائرية في الأطراف لإقناعهم بالبديل البرامجي.
ثالثا: المصداقية السياسية: تقديم نماذج قيادية تتسم بالنزاهة والقدرة على التأثير بعيداً عن الاستقطاب الجهوي.
لا يمكن مقاربة مشروع الدولة المدنية في الأردن بمعزل عن البعد الاقتصادي، إذ إن نجاح هذا النموذج لا يرتبط فقط بالإرادة السياسية أو القبول الاجتماعي، بل بقدرته على إنتاج نتائج اقتصادية ملموسة. فالدولة المدنية، في جوهرها، تُعيد توجيه الموارد والفرص على أساس الكفاءة والعدالة، مما يحدّ من كُلف الواسطة ويعزز مناخ الاستثمار ويخلق بيئة تنافسية أكثر شفافية. وفي الاقتصاد الحديث، تُعد سيادة القانون واستقرار التشريعات من أهم محددات جذب الاستثمار المحلي والأجنبي، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل أنماط غير رسمية من توزيع الفرص.
كما أن الانتقال نحو "المواطنة البرامجية" من خلال الأحزاب يسهم في رفع جودة السياسات الاقتصادية، إذ تتحول المنافسة السياسية من صراع هويات إلى تنافس على تقديم حلول لقضايا البطالة والفقر والنمو. وفي هذا الإطار، تصبح الدولة المدنية رافعة للإصلاح الاقتصادي، لا مجرد إطار سياسي، حيث تعزز كفاءة الإنفاق العام، وتدعم مبدأ تكافؤ الفرص، وتحد من التشوهات التي تعيق النمو. وعليه، فإن أي تأخير في ترسيخ هذا النموذج لا ينعكس فقط على الحياة السياسية، بل يمتد أثره ليطال فرص التنمية والاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد.
وقد يطرح المجتمع الأردني تساؤلات مشروعة حول هذا التحول، ولعل أهمها: هل تعني الدولة المدنية تهميش دور العشائر؟ الجواب: لا، بل تعني حماية أبناء العشائر تحت مظلة قانون عادل يضمن حقوقهم دون الحاجة لوساطة، ويحفظ كرامة العشيرة ككيان اجتماعي محترم. والسؤال الآخر: وهل الدولة المدنية تهدم القيم الدينية؟ نقول: إطلاقاً، فالدولة المدنية في الأردن تعتز بالدين كمصدر للتشريع والأخلاق، لكنها ترفض استغلاله سياسياً لخدمة أجندات فئوية. وهنا؛ نطرح سؤال افتراضي مهم وهو: لماذا نحتاج للأحزاب ونحن نملك تمثيلاً عشائرياً؟ يمكن أن نجيب: لأن التحديات المعاصرة (اقتصادية، تقنية، دولية) تتطلب حلولاً فنية وبرامجية لا تملك العشيرة أدواتها، بينما الحزب هو الوعاء الطبيعي لهذه البرامج.
بقي تساؤل هام: هل يمكن للأردن استلهام تجارب دول نجحت في الموازنة بين التقليد والحداثة؟ الحقيقة؛ هناك تجربتان بارزتان: بوتسوانا: نجحت في دمج المؤسسات التقليدية (زعماء القبائل) في هيكل الدولة من خلال مجلس استشاري، مما جعل القبيلة شريكاً في التنمية لا عائقاً أمام القانون، و منغوليا: استطاعت التحول نحو الديمقراطية والمدنية مع الحفاظ على الهوية البدوية، من خلال تقوية المؤسسات المركزية وضمان حيادها تجاه المكونات الاجتماعية.
وفي المحصلة، فإن الدولة المدنية في الأردن ليست مجرد مشروع سياسي لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، بل هي بوابة ضرورية لإعادة بناء الاقتصاد على أسس الكفاءة والعدالة والشفافية. فالدول لا تُقاس فقط بصلابة مؤسساتها السياسية، بل بقدرتها على تحويل هذه الصلابة إلى نمو اقتصادي وفرص حقيقية للمواطنين. وحين تتكامل سيادة القانون مع كفاءة الإدارة وعدالة توزيع الفرص، يتحول الاستقرار السياسي إلى قيمة اقتصادية مضافة، ويصبح الإصلاح خيارًا رابحًا للدولة والمجتمع معًا. عندها فقط، لا تكون الدولة المدنية خيارًا نظريًا، بل مسارًا عمليًا نحو أردن أكثر قوة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
* أمين عام سابق.
ــ الراي