صالح الشراب العبادي : الشرق الأوسط بين مشروعين للهيمنة .. والمنطقة تدفع الثمن
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين إسرائيل وإيران، بل هو في جوهره صراع بين مشروعين للهيمنة على الإقليم ، كل طرف يحاول فرض رؤيته ومصالحه، بينما تقف دول المنطقة وشعوبها في قلب هذا الصراع تدفع الثمن الأكبر من أمنها واستقرارها ومستقبلها.
من جهة، تسعى إسرائيل منذ سنوات إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يضمن تفوقها العسكري والسياسي. فكرة "الشرق الأوسط الجديد” ليست شعاراً إعلامياً بقدر ما هي تصور استراتيجي يقوم على تثبيت إسرائيل كقوة الردع الأولى في الإقليم ، ومن أجل ذلك لم تتردد في استخدام قوتها العسكرية بشكل واسع، سواء في غزة أو في لبنان أو في سوريا، في محاولة لفرض معادلة أمنية تجعلها الطرف الأقوى بلا منازع.
ومن جهة أخرى، بنت إيران مشروعها الإقليمي على فكرة تصدير الثورة وتوسيع النفوذ عبر شبكة من الحلفاء والميليشيات في عدد من الدول العربية. هذا المشروع لم يتوقف عند حدود إيران، بل تمدد إلى عواصم عدة في المنطقة، حيث أصبح النفوذ الإيراني لاعباً أساسياً في معادلات القوة والسياسة. لكن هذا التمدد لم يكن بلا ثمن، فقد أدخل دولاً عديدة في دوامات من الصراع الداخلي والاضطراب السياسي.
المفارقة أن هذا الصراع لم يولد فجأة، بل هو نتيجة تراكمات بدأت منذ عقود. غزو العراق عام 2003 فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة. الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة تحت ذرائع أسلحة الدمار الشامل أدت في النهاية إلى تفكيك توازنات قائمة، وخلقت فراغاً سياسياً وأمنياً سمح لقوى إقليمية أخرى بملئه. ومن تلك اللحظة بدأت مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي على النفوذ.
اليوم تبدو المنطقة وكأنها تدور في حلقة مفرغة من الصراعات. إسرائيل تسعى إلى تحجيم خصومها وتوسيع نفوذها، وإيران تحاول تثبيت حضورها الإقليمي ومواجهة الضغوط عليها، بينما تستمر القوى الدولية في التعامل مع الشرق الأوسط باعتباره ساحة صراع استراتيجية.
لكن الحقيقة المؤلمة هي أن الخاسر الأكبر في هذه المعادلة ليس أي طرف من أطراف الصراع، بل شعوب المنطقة نفسها ، فالحروب المتكررة دمرت مدناً كاملة، وأدت إلى موجات هجرة غير مسبوقة، وحرمت ملايين الناس من أبسط مقومات الحياة الآمنة.
في النهاية، لا يمكن لأي مشروع هيمنة أن يجلب الاستقرار الحقيقي للمنطقة. الاستقرار لا يأتي من الصواريخ ولا من الميليشيات ولا من الاحتلال، بل من بناء دول قوية ومجتمعات مستقرة وتعاون إقليمي يقوم على المصالح المشتركة لا على الصراعات.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى الشرق الأوسط للأسف ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، بينما يدفع أبناؤه الثمن الأكبر.