القس سامر عازر : أمَا آنَ لعالمنا أن يتعلّمَ فنونَ الحياة لا فنونَ الحرب؟
القس سامر عازر
قال قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني يوماً: "الحرب هي دائماً هزيمة للإنسانية".
هذه العبارة ليست مجرد موقف أخلاقي أو دعوة عاطفية للسلام، بل هي خلاصة خبرة تاريخ طويل من الدماء والدموع. فكل حرب، مهما رَفعت من شعارات أو ادّعت من أهداف، تنتهي في جوهرها إلى خسارة الإنسان لجزء من إنسانيته.
لقد رافقت الحروب مسيرة البشرية منذ فجر التاريخ. فكم من أمم قامت على منطق القوة، وكم من حضارات اعتقدت أن التفوق يمنحها حق سحق الآخرين. وكأن الإنسان لم يتعلّم بعد أن القوي الذي يأكل الضعيف إنما يزرع بذور سقوطه بيده. إن هذه النزعة ليست سوى تعبير عن رغبة الاستملاك والسيطرة، تلك الرغبة التي تتأصل في النفس البشرية عندما تبتعد عن غايتها العميقة وعن سر وجودها في هذا الكون.
نحن لم نولد لنختبر ويلات الحروب، ولا لنسير في قوافل الدمار التي تعبر التاريخ. فالحروب عبر العصور أكلت الأخضر واليابس، ومسحت حضارات وثقافات، وأحرَقت مكتبات ومنارات علم، وأعادت شعوباً كاملة إلى عصور مظلمة. لقد شرّدت الملايين، وقضت على أجيال، وأطفأت عقولاً كان يمكن أن تكون منارات تقدم للبشرية ومصادر خير لها.
إن الحروب ليست مجرد معارك بين جيوش، بل هي جراح مفتوحة في جسد الإنسانية كلها. فكل طفل يُقتل في حرب، وكل أم تبكي ابنها، وكل مدينة تتحول إلى ركام، إنما هو شاهد على عجز الإنسان عن فهم قيمة الحياة التي أُعطيت له.
والمؤلم في الأمر أن الحروب لا تنشأ دائماً من الضرورة، بل كثيراً ما يغذيها أولئك الذين يعيشون على أزماتها. فهناك من يتاجر بالخوف، ومن يقتات على الدمار، ومن يبني ثرواته على أنقاض المدن وعلى دموع الشعوب. وهنا تصبح المأساة مضاعفة: حرب تقتل البشر، ومصالح ترفض أن تنتهي هذه الحرب.
لكن في مقابل فنون الحرب، هناك ما هو أسمى وأجمل: فنون الحياة.
فنون الحياة هي التي تجعل الوجود أكثر إنسانية وأكثر جمالاً. إنها الفنون التي تلوّن العالم بأزهى الألوان: فن العدالة، فن الحوار، فن الإصغاء للآخر، فن التعاون بين الشعوب، وفن بناء الجسور بدلاً من الجدران. فالفنون، بمعناها الواسع، هي أرقى ما أبدعته البشرية، لأنها تغوص في جمال الكون وسر تشكّله، وترتقي بالنفس الإنسانية نحو الجمال والحب والانسجام.
وقد عبّر الفيلسوف البرت كامس Albert Camus عن هذه الحقيقة حين قال: "السلام هو المعركة الوحيدة التي تستحق أن نخوضَها".
فالمعركة الحقيقية ليست في تدمير الآخر، بل في الارتقاء بالإنسان. ليست في كسب أرض أو نفوذ، بل في كسب القلب والضمير.
لقد مرّ القرن العشرون، وما تلاه من سنوات، محمّلاً بحروب وويلات زرعت الأسى والفرقة بين الشعوب والأمم. ومع كل مأساة كان العالم يردد عبارة "لن يتكرر هذا"، لكنه يعود فيقع في الفخ ذاته. وكأن البشرية لم تتقن بعد فنون الحياة التي تحفظ وجودها. فهل آن لنا أن نتعلم هذه الفنون؟ هل آن للبشرية أن تدرك أن التنافس الحقيقي ليس في ميادين القتال، بل في ميادين الإبداع والمعرفة وبناء الإنسان؟
إن فنون الحياة تقوم على العدالة التي تحمي الضعيف، وعلى السلام الذي يفتح الطريق للمستقبل، وعلى التواصل الذي يقرّب بين الثقافات، وعلى التكامل بين الشعوب بدل الاستعلاء والتنافر. إنها فن الاستغناء من كل جمال وفكر وتجربة إنسانية تعزز الروح البشرية وترتقي بها نحو العلاء.
ومن أسمى فنون الحياة أيضاً أن يرتقي الإنسان بنفسه في رحلة البحث عن الله، إله الكون، الذي منه ينبع كلُّ صلاح وبر وحق، وكل جمال وحب. فحين يقترب الإنسان من مصدر الخير، يكتشف أن الحياة أوسع من صراعاته الصغيرة، وأن العالم أبهى من أن يُختزل في حروب.
ليست الحروب قدراً مكتوباً على البشرية، بل هي دليل على فشلها في فهم نعمة هذا الكون وسر الوجود. فالكون لم يُخلق ليكون ساحة صراع دائم، بل فضاءً رحباً للحياة والنمو والإبداع. ومن حق كل إنسان أن يحيا بكرامة، وأن يتطور، وأن يتسابق مع الآخرين في ميدان الحياة بشرف ونبل، لا أن يتصارع معهم على خيرات الأرض وحقوقهم.
أمَا آن لعالمنا أن يتعلم فنون الحياة بدل أن يُبدعَ في فنون الحرب؟