الأخبار

محمد عودة : القيمة الزمنية للنقود

محمد عودة : القيمة الزمنية للنقود
أخبارنا :  

يدور معظم النقاش حول تعديلات الضمان الاجتماعي المقترحة في اطار العوامل التي ذكرتها في مقالي السابق وكل هذه العوامل تكون نتيجتها في علم المال والعلم الاكتواري ليس دقيقا الا تم الاخذ بعين الاعتبار القيمة الزمنية للنقود.

فالدينار الذي يدفع اشتراكا في بداية الحياة الوظيفية لا يساوي الدينار الذي يدفع قبل التقاعد بعام واحد الاول يمتلك زمنا اطول للاستثمار والتراكم ويستفيد من اثر العائد المركب بينما الثاني لا يملك تلك الميزة الزمنية وعند اغفال هذا البعد تظهر اختلالات قد لا تكون واضحة في ظاهر الارقام الاسمية

اين تنشأ الفجوة

الاشتراكات تدفع على مدار سنوات الخدمة وفقا للاجر في كل مرحلة

اما الراتب التقاعدي فيحتسب عادة بناء على متوسط اجر فترة معينة وغالبا ما تكون السنوات الاخيرة من الخدمة حيث يبلغ الراتب ذروته
اذا كان مسار الاجور تصاعديا بشكل حاد في نهاية الخدمة فان الجزء الاكبر من الاشتراكات التاريخية يكون قد دفع على رواتب اقل
الاشتراكات المرتفعة تدفع في السنوات الاخيرة اي بفترة استثمار قصيرة

المنفعة التقاعدية تحتسب على متوسط اجر مرتفع نسبيا

وهنا يتشكل الوضع غير الصحي فالمنفعة تقاس باجور متاخرة مرتفعة بينما الرصيد التراكمي الفعلي تشكل اساسا من اجور اقل وبفترات استثمار اطول

الزمن اهم من عدد السنوات

كثيرا ما يختزل النقاش في عدد سنوات الاشتراك لكن الحقيقة ان عدد السنوات وحده لا يكفي لفهم العدالة الاكتوارية
فلو تساوى عدد سنوات الاشتراك بين حالتين واختلف توزيع الاجور زمنيا فان القيمة المستقبلية للاشتراكات ستكون مختلفة رغم تطابق مدة الخدمة

اذن العامل الحاسم ليس فقط كم سنة دفع المشترك بل متى دفع وعلى اي اجر وكم بقي لتلك الاشتراكات من زمن للاستثمار

البعد الاكتواري الحقيقي

اي نظام تقاعدي مستدام يقوم على توازن بين عنصرين

القيمة المستقبلية للاشتراكات المتراكمة حتى سن التقاعد

والقيمة الحالية للالتزامات التقاعدية المتوقعة بعد التقاعد

كلما اقترب هذان الرقمان من بعضهما اقتربنا من العدالة الاكتوارية

وكلما اتسعت الفجوة ظهرت الضغوط المالية على النظام سواء اليوم او في المستقبل

وعندما تحتسب المنافع على اساس متوسطات متاخرة تكون فيها زيادات غير عادية دون مراعاة المسار الكامل للاجر وتاثير الزمن فان الفجوة قد تتسع تدريجيا دون ان تبدو واضحة في الحسابات السطحية

نحو معالجة اكثر توازنا

الحديث عن القيمة الزمنية للنقود لا يعني تقليص الحقوق على الاطلاق او تحميل المشتركين عبئا اضافيا بل يعني اعادة ضبط المعادلة لتكون اكثر عدالة واستدامة في آن واحد.

ممكنات التوازن

1. توسيع فترة الاحتساب لكامل مدة الخدمة مع الاخذ بعين الاعتبار القيمة الزمنية للاجور وهذا ما كان مطروحا في تعديلات القانون لعام 2022.

2. توسيع فترة احتساب متوسط الاجر وهذه ستخفف من فجوة القيمة الزمنية للنقود لكنها لن تلغيها اذا كانت الزيادات غير عادية.

3. ضبط اثر القفزات الكبيرة في الاجور المتاخرة.

4. تعزيز الربط بين مجموع الاشتراكات المتراكمةمع العائد الاستثماري والقيمة المتوقعة للمنفعة مع معدل الخصم .

5. تخفيض الزيادة على الاشتراك الاختياري بحيث لا تزيد عن معدل النمو في الاجور .

فالهدف ليس تقليص الحماية الاجتماعية ولا المساس بها بل ضمان استمرارها

والمشكلة الجوهرية ليست في نسبة الاقتطاع وحدها ولا في سن التقاعد فقط بل في كيفية تفاعل الاجر والزمن والعائد الاستثماري المركب داخل المعادلة

القيمة الزمنية للنقود ليست تفصيلا فنيا بل هي العمود الفقري لاي نظام تقاعدي عادل ومستدام

وكل نقاش يتجاوز هذا المفهوم يبقي الموضوع غير متكامل فمثلا يمكن ان يؤدي رفع سن التقاعد الوجوبي مع تدرج رواتب فيها خلل الى زيادة الفجوة الاكتوارية بكل تاكيد وليس في صالح استدامة الصندوق.

ومثال فان الرواتب غير المتزايدة تحقق وفرا في المعادلة الاكتوارية وهذه تلاحظ عند اصحاب الحد الادنى من الرواتب وهم مظلومين اكتواريا مع انه يتم تعويضها جزئيا في الزيادة العامة وزيادة الاعالة والحد الادنى للرواتب التقاعدية .....

فلو تم حل مشكلة الزيادات في الرواتب خلال مدة الخدمة كاملة خاصة في القطاع الخاص لن تحتاج المؤسسة الى رفع سن تقاعد الشيخوخة ولو تم ايقاف الزيادة في الاشتراك الاختياري بما نسبته 10% فلن نحتاج لرفع سن التقاعد وان ال 80 % الموجودة في مشروع التعديلات لن تحل هذه المشكلة على الاطلاق , والقطاع العام اذا ما تم استثناء الاحالات المبكرة على التقاعد في السنوات الاخيرة فان تاثيره على الاستدامة اقل بكثير من القطاع الخاص ....

والقول بان عدد الاشتراكات لوحدها كافية دون النظر الى توزيع الرواتب خلال فترة الخدمة والاجر المرجعي هو قول يحتاج الى مراجعة وغير صحيح على الاطلاق ....فلو اصبحت الاشتراكات 40 سنة دون حل المشكلة الرئيسية في توزيع الرواتب فلن يتم حل الاستدامة ....

والقول بان زيادة الشمول لوحدها والقضاء على التهرب سيحل المشكلة هو قول صحيح من ناحية توفير الحماية الاجتماعية لهذه الفئة المحتاجة لها فعلا , ولكنه ليس صحيحا من ناحية توفير الاستدامة للنظام للاجيال القادمة ...

وللعلم تم بناء هذا المقال على نماذج اكتوارية قمت ببنائها خلال هذه الفترة تتضمن عشرات الامثلة والتي تم احتساب صافي القيمة الحالية لرواتب الشيخوخة والمبكر على القانون الحالي ومشروع التعديلات ماخوذ فيها جميع العوامل.

وساورد هنا مثالا واحد على القانون الحالي ومشروع التعديلات

مثال عملي على القانون الحالي , لو بدا مؤمن عليه براتب 150 دينار وبنسبة زيادة سنوية 10% على الراتب ولمدة ثلاثين سنة وتقدم للحصول على راتب تقاعدي على عمر 60 سنة فان صافي القيمة الحالية NPV بعائد استثماري 5% سيكون عجزا بقيمة 181 الف دينار ولو اردنا الغاء هذا العجز مع بقاء العوامل الاخرى ثابته فانه لا بد ان يكون معدل العائد الاسثماري لكل السنوات 10.347% وهذا غير ممكن في ظل السياق التاريخي للعائد الاستثماري الذي تم تحقيقه سابقا وغير واقعي من الناحية العملية في ظل النمو الاقتصادي الحالي وتوقعاته المستقبلية في الاردن .

نفس الشخص وعلى مشروع التعديلات الحالية وبنفس الفرضيات اعلاه ما عدا معدل الخصم على المبكرحسب التعديلات والزيادة العامة والاجر المرجعي بمعدل خمس سنوات بدلا من ثلاث سنوات فان صافي القيمة الحالية NPV بنفس العائد اعلاه سيكون عجزا مقداره 145 الف دينار, ولو اردنا الغاء هذا العجز مع بقاء العوامل الاخرى ثابته فانه لا بد ان يكون معدل العائد الاستثماري لكل السنوات 9.678% وهذا غير ممكن في ظل السياق التاريخي للعائد الاستثماري الذي تم تحقيقه سابقا وغير واقعي من الناحية العملية في ظل النمو الاقتصادي الحالي وتوقعاته المستقبلية في الاردن ..

واذا تم الاخذ بالممكنات التي ذكرتها اعلاه فانها ستخفف من اثر العجز بشكل كبير وتكون اكثر عدالة وديمومة مع الاخذ بعين الاعتبار التدرج فيها بطريقة لا يظلم فيها من كان يخضع على راتب منخفض في بداية حياته العملية لانه يعلم انه لن يكون ماخوذا بعين الاعتبار عند احتساب راتبه التقاعدي بحيث يبدا احتساب الاجر المرجعي من تاريخ معين خاصة في القطاع الخاص ويكون معروفا لدى كل مؤمن عليه بان هذا الراتب سيدخل في احتساب المعادلة الاكتوارية.

هذه شهادتي لله والوطن والتاريخ وساكون مسؤولا عنها امام الله يوم القيامة.

والله من وراء القصد

* مساعد مدير عام الضمان الاجتماعي سابقا - خبير التامينات الاجتماعية




مواضيع قد تهمك