منظمة الصحة العالمية: 115 مليون شخص في شرق المتوسط بحاجة إلى مساعدات إنسانية وسط تصاعد الأزمات
قالت الدكتورة حنان حسن بلخي، مديرة منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط، إن نحو 115 مليون شخص في أنحاء إقليم شرق المتوسط يحتاجون اليوم إلى مساعدات إنسانية، وهو ما يمثل ما يقرب من نصف الاحتياجات الإنسانية على مستوى العالم، مؤكدة أن التصعيد الأخير في المنطقة يفاقم الضغوط الهائلة التي تواجهها النظم الصحية الهشة بالفعل في العديد من دول الإقليم.
وأوضحت بلخي، خلال إحاطة صحفية في قصر الأمم، أن الإقليم يشهد حاليًا أربع عشرة حالة طوارئ صحية مصنفة لدى المنظمة، منها سبع حالات على أعلى مستوى من الطوارئ، في وقت يواجه فيه 80 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي، فيما تنشط 40 فاشية للأمراض في عدد من البلدان.
وأضافت أن النظم الصحية في كثير من دول الإقليم كانت تعمل بالفعل عند حدود قدرتها حتى قبل التصعيد الأخير، إلا أن الأيام الأخيرة شهدت مقتل أكثر من 1000 شخص وإصابة أكثر من 7000 آخرين، مؤكدة أن العواقب الصحية تتجاوز بكثير حجم الأضرار المباشرة.
وقالت إن المستشفيات تتعامل حاليًا مع ارتفاع حاد في حالات الرضوح والإصابات، في الوقت الذي تواجه فيه انقطاعات في الإمدادات الطبية وتحديات تتعلق بسلامة العاملين الصحيين وإمكانية وصول المرضى إلى الرعاية. كما يعاني المرضى المصابون بالأمراض المزمنة من صعوبات في الحصول على العلاج، بينما تعمل نظم ترصد الأمراض تحت ضغوط كبيرة، ويضيف النزوح المتزايد أعباء إضافية على الخدمات الصحية الهشة.
وأشارت بلخي إلى أن تعطّل سلاسل الإمدادات الصحية الإنسانية يمثل أحد أكثر التحديات إلحاحًا في الوقت الراهن. فبعد توقف مؤقت، يستأنف مركز المنظمة لوجستيات الطوارئ الصحية العالمية عملياته، في حين أكدت حكومة الإمارات العربية المتحدة، بالتنسيق مع برنامج الأغذية العالمي ومؤسسة دبي الإنسانية، استعدادها لتسهيل الشحنات الإنسانية العاجلة.
وأضافت أن أكثر من 50 طلبًا للإمدادات الطارئة عبر 25 بلدًا قد تأثرت حتى الآن، وتشمل هذه الطلبات إمدادات من المنظمة يستفيد منها أكثر من 1.5 مليون شخص في دول مثل لبنان وغزة واليمن والصومال، إضافة إلى إمدادات مختبرات شلل الأطفال المستخدمة في الكشف عن المرض واستئصاله عالميًا في عدد من البلدان. وأكدت أن المنظمة ستعمل خلال الأيام المقبلة على معالجة الشحنات العاجلة والانتهاء من الشحنات المتراكمة ذات الأولوية.
وفي إيران، أفادت السلطات الوطنية بوقوع أكثر من 925 وفاة وما يزيد على 6000 إصابة. ومنذ 28 فبراير، تم تسجيل 14 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن أربع وفيات بين العاملين الصحيين. وأكدت بلخي أن المستشفيات لا تزال تقدم خدماتها، فيما وسعت خدمات الطوارئ قدراتها للتعامل مع حالات الرضوح. وقد قامت المنظمة مسبقًا بتجهيز إمدادات للرضوح والأدوية الأساسية في مستودعها في طهران، وهي تواصل مراقبة الوضع عن كثب تحسبًا لاحتمالات الإصابات الجماعية أو تعطل الخدمات الصحية أو موجات النزوح.
كما أكدت المنظمة أنها تواصل رصد الهجمات على مرافق الرعاية الصحية والتحقق منها، داعية إلى حماية المرضى والعاملين الصحيين والمرافق الطبية. وعلى الرغم من عدم تلقي طلب رسمي لتقديم دعم تشغيلي، فإن المنظمة تظل على اتصال وثيق مع السلطات الوطنية وهي مستعدة لتقديم المساعدة إذا لزم الأمر.
وأعربت بلخي عن قلق آخر يتعلق بالتأثير المحتمل للصراع على المرافق النووية، مشيرة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت حدوث أضرار في المباني في موقع التخصيب في موقع نطنز للتخصيب، لكنها لم تسجل أي زيادة في مستويات الإشعاع أو آثار مباشرة على الصحة العامة. وأضافت أنه رغم أن احتمال إطلاق الإشعاع لا يزال منخفضًا وفق التقديرات الحالية، فإن الأثر الصحي المحتمل قد يكون كبيرًا، ولذلك تعمل المنظمة مع الشركاء لضمان استعداد السلطات الصحية لتقييم المخاطر وحماية السكان عند الحاجة.
وفي لبنان، قالت بلخي إن الوضع الإنساني يتدهور بسرعة، حيث تم الإبلاغ منذ 2 مارس عن 683 إصابة و123 وفاة على الأقل، فيما نزح نحو 96 ألف شخص إلى أكثر من 440 مأوى. كما أُغلقت عدة مرافق صحية بسبب أوامر الإجلاء، بما في ذلك 43 مركزًا للرعاية الصحية الأولية ومستشفيان، مما يحد من إمكانية الحصول على الرعاية.
وأوضحت أن المنظمة تعمل بشكل وثيق مع وزارة الصحة العامة اللبنانية من خلال مركز عمليات طوارئ الصحة العامة الذي يقود التنسيق الوطني للاستجابة، حيث تدعم المنظمة تنسيق الاستجابة الصحية ورصد انقطاع الخدمات وضمان استمرار الرعاية الأساسية في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية.
وأضافت أن المنظمة تواصل أيضًا تقديم الرعاية المنقذة للحياة، بما في ذلك خدمات الأطراف الصناعية في المستشفيات عبر شبكة المرافق التي تدعمها، إلى جانب العمل مع الشركاء لتلبية الاحتياجات الصحية للنازحين.
وفي غزة، أكدت بلخي أن النظام الصحي لا يزال في غاية الهشاشة، حيث انخفضت مخزونات الأدوية الأساسية ومستلزمات علاج الرضوح والمواد الجراحية الاستهلاكية إلى مستويات خطيرة، كما يؤدي نقص الوقود إلى تقليص القدرة التشغيلية للمستشفيات.
وأضافت أن عمليات الإجلاء الطبي عبر معبري رفح وكرم سالم معلّقة منذ 28 فبراير، مما ترك العديد من المرضى دون إمكانية الوصول إلى الرعاية المتخصصة خارج غزة، في وقت تكافح فيه المستشفيات للحفاظ على الخدمات الحيوية مثل الجراحة وغسيل الكلى والعناية المركزة.
وأشارت إلى أنه في 4 مارس تمكنت المنظمة من إيصال إمدادات طبية إلى غزة عبر معبر كرم سالم، وتعمل حاليًا على توزيع الوقود من الإمدادات المتوافرة داخل القطاع للحفاظ على استمرار الخدمات الصحية المنقذة للحياة. كما تنسق المنظمة عمل 35 فريقًا من فرق الطوارئ الطبية داخل غزة لدعم الاستجابة الصحية.
وحذرت بلخي من أنه من دون وصول مستدام للمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الأدوية والأغذية والوقود واستئناف عمليات الإجلاء الطبي، سيظل المرضى يواجهون تأخيرات خطيرة في الحصول على الرعاية. وأكدت الحاجة الماسة إلى تعزيز وصول المساعدات الإنسانية وتمكين المرضى من الإجلاء إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية لتلقي العلاج، مشددة على أن أكثر ما يحتاجه سكان غزة هو سلام دائم ومستمر.
ورغم هذه التحديات، أشارت بلخي إلى بعض التطورات الإيجابية، حيث أعلن السودان هذا الأسبوع نجاحه في احتواء واحدة من أسوأ فاشيات الكوليرا خلال السنوات الأخيرة، والتي امتدت إلى 18 ولاية على مدار عشرين شهرًا. وخلال عام 2025، دعمت المنظمة حملات التطعيم الفموي ضد الكوليرا التي ساعدت على حماية أكثر من 12 مليون شخص.
وأكدت أن هذا الإنجاز يثبت أنه حتى في أصعب الظروف يمكن للتدخلات الصحية والشراكات القوية أن توقف الفاشيات القاتلة وتنقذ الأرواح. وأشارت إلى مثال آخر في غزة، حيث تمكن العاملون الصحيون والشركاء، رغم الحرب، من تطعيم أكثر من 600 ألف طفل في ثلاث جولات تطعيم واحتواء انتشار شلل الأطفال.
وفي ختام تصريحها، أوضحت بلخي أن المنظمة تحتاج إلى 690 مليون دولار في عام 2026 لمواصلة عمليات الاستجابة للطوارئ الصحية في إقليم شرق المتوسط، إلا أن التمويل المتوافر أقل بنسبة 70% من المطلوب.
وقالت: إن أخطر التهديدات الصحية في أوقات النزاعات غالبًا ما تظهر بصمت، فعندما تنفد الأدوية ويصعب وصول المرضى إلى الرعاية وتضعف نظم الترصد وتنتشر الأمراض، ترتفع سريعًا الوفيات التي يمكن تجنبها.
وأكدت أن منظمة الصحة العالمية ستواصل الوقوف إلى جانب الشعوب والعاملين الصحيين في إقليم شرق المتوسط والعمل مع السلطات الوطنية والشركاء الدوليين للحفاظ على عمل النظم الصحية وتقديم الرعاية المنقذة للحياة لمن هم في أمسّ الحاجة إليها.