الأخبار

م. زيد خالد المعايطة : من نهج الحفظ إلى نظام الفاعلية… التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي

م. زيد خالد المعايطة : من نهج الحفظ إلى نظام الفاعلية… التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي
أخبارنا :  

لم يعد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي من قبل الطلبة في الأردن أمراً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من يومهم الدراسي المعتاد، كثير من الطلبة ينظرون إليها كمساعد فعّال يوفر الوقت ويخفف الضغط، بينما يتعامل أولياء الأمور معها بمشاعر متباينة بين تقدير سهولة استخدامها والقلق من أثرها على عمق الفهم، وينظر إليها بعض المعلمين بحذر خوفاً من تراجع الجهد والنزاهة، هذا التحول لم يعد افتراضياً بل أصبح واقعاً يومياً، فقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى المدارس والجامعات من خلال سلوك الطلبة قبل أن يدخل عبر خطط التغيير الرسمية، واعتمده الطلبة سريعاً بينما ما زالت المؤسسات التعليمية تبحث عن طريقة لتهيئة الطلاب والمناهج للتعامل مع هذا المستوى من التقدم العلمي بمجال استخدامات الحاسوب، ولم يعد السؤال ما إذا كان يجب السماح به الان او فيما بعد، بل كيف سيعيد تعريف مفهوم التعلم ذاته.

 

على مدى سنوات طويلة ارتبط النجاح الأكاديمي بالحفظ والاسترجاع الدقيق للمعلومات، وكانت الامتحانات تقيس قدرة الطالب على استعادة المحتوى أكثر من قدرته على تحليله أو إعادة صياغته، وعندما تُكافئ الدرجات الإجابة الصحيحة أكثر من التفكير المنهجي فمن الطبيعي أن يبحث الطلبة عن أقصر طريق للإنجاز، ومن هنا حدث التحول غير المسبوق، فالذكاء الاصطناعي لم يخلق هذا السلوك بل كشفه وجعله أكثر وضوحاً، فهو ينسجم مع بيئة تعليمية درّبت الطالب على تلقي الإجابة الجاهزة من سلطة خارجية سواء كانت معلماً أو كتاباً دراسياً، وإذا استُخدم فقط لتوليد الحلول السريعة فإنه يعمّق هذا النمط، أما إذا جرى توظيفه ضمن تصميم تعليمي منضبط فإنه يمكن أن يتحول إلى أداة تدعم التفكير، بحيث يُطلب من الطالب شرح خطواته، ومراجعة منطقه، ومقارنة البدائل قبل الوصول إلى النتيجة.

وقد أظهرت تجارب تعليمية حديثة أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة توجيه لا أداة اختصار يغيّر طبيعة التعلّم، فبدلاً من تقديم الإجابة النهائية مباشرة يمكن تصميم الأنظمة بحيث تقود الطالب عبر أسئلة متتابعة وتُلزمه بتوثيق مسار تفكيره، كما يمكن توظيف منصات تعليمية تكيف المهام وفق مستوى الأداء وتوفر تغذية راجعة فورية، مع إدراج مفاهيم الثقافة الرقمية وفهم آليات عمل هذه الأدوات ضمن المناهج حتى لا يتحول الاستخدام إلى اعتماد غير واعٍ، والاستفادة من هذه الخبرات تتيح للأردن تطوير نموذج تدريجي يتناسب مع واقعه، يبدأ بإدماج توثيق استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن متطلبات التقييم الجامعي، وتطبيق منصات تكيفية في مواد محددة داخل المدارس، وإدراج مفاهيم الوعي الرقمي في المراحل الثانوية، فالمسألة ليست في استيراد التكنولوجيا بل في هندسة استخدامها تربوياً.

هذا التحول لا يرتبط بأدوات الذكاء الاصطناعي وحدها بل يمتد إلى البيئة التعليمية الرقمية الأوسع، فمع انتشار المنصات التعليمية والأجهزة المترابطة أصبح بالإمكان تقديم تغذية راجعة فورية وتكييف الدروس وفق سرعة التعلم، وعندما يرى الطالب تقدمه بشكل مباشر تزداد دافعيته لأن نتائج جهده تصبح ملموسة، غير أن الإفراط في المراقبة أو تحويل التكنولوجيا إلى أداة ضبط قد يضعف الثقة ويقلل الدافعية الذاتية، فالطلبة ينخرطون بعمق أكبر عندما يشعرون بالكفاءة والاحترام لا عندما يشعرون بأنهم تحت رقابة مستمرة، لذلك فإن تصميم البيئة الرقمية يجب أن يعزز التعلم دون أن يسلب الطالب شعوره بالاستقلالية.

بالنسبة للأردن يحمل هذا النقاش بعداً اقتصادياً واضحاً، فالدولة تسعى إلى ترسيخ موقعها ضمن اقتصاد رقمي تنافسي، والوظائف المستقبلية لن تقوم على تجنب الذكاء الاصطناعي بل على القدرة على العمل إلى جانبه، فاسواق العمل باتت تقدّر مهارات التفكير النقدي والقدرة على التكيف وتفسير المخرجات الرقمية، وإذا ركزت المؤسسات التعليمية على منع هذه الأدوات فقط فقد يتخرج الطلبة بمعرفة نظرية دون كفاءة عملية، أما إذا جرى توجيه استخدامها بوعي فإن الخريجين سيكونون أكثر استعداداً لمتطلبات السوق المتغيرة.

الذكاء الاصطناعي لم يضعف التعليم فجأة بل كشف اعتمادنا الطويل على قياس الكفاءة من خلال استرجاع المعلومات، وأظهر الفجوة بين المعرفة والفهم، والخيار المطروح اليوم أمام صناع القرار التربوي ليس بين مقاومة التكنولوجيا أو قبولها، بل بين الإبقاء على نموذج قديم أو إعادة تصميم بيئة تعليمية تعزز المبادرة والمسؤولية وحسن التقدير، وفي عصر أصبحت فيه الأنظمة الذكية جزءاً من الحياة اليومية فإن معيار التقدم لن يكون في قدرتنا على حجب هذه الأدوات بل في قدرتنا على تعليم أبنائنا استخدامها بثقة ووعي.

– باحث في الاقتصاد والسياسات السلوكية

مواضيع قد تهمك