الأخبار

أ. د. امجد الفاهوم : نحو شراكة مؤسسية لإنتاج المعرفة وتعظيم الأثر الاقتصادي

أ. د. امجد الفاهوم : نحو شراكة مؤسسية لإنتاج المعرفة وتعظيم الأثر الاقتصادي
أخبارنا :  

في ظل التحول العالمي نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، تكتسب مبادرات ربط الأكاديميا بالصناعة بعداً استراتيجياً يتجاوز الطابع البروتوكولي إلى تأسيس شراكات إنتاجية طويلة الأمد. وقد عكست ورشة العمل التي نظمها المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، بحضور أمين عام وزارة الصناعة والتجارة والتموين، ورئيس غرفة صناعة الأردن، وممثلي لجنة دعم الصناعة في صندوق دعم البحث العلمي والابتكار، إضافة إلى نخبة من الباحثين والصناعيين، إدراكاً مؤسسياً متقدماً لأهمية مواءمة البحث العلمي مع احتياجات القطاع الإنتاجي. فقد انتقل النقاش من توصيف الفجوة القائمة بين مخرجات الجامعات ومتطلبات الصناعة، إلى بحث آليات عملية لتحويل المعرفة الأكاديمية إلى قيمة اقتصادية قابلة للتطبيق والقياس.

ينطلق هذا التوجه من حقيقة أن الجامعات تمثل مخزوناً معرفياً وبحثياً كبيراً، في حين تمتلك الصناعة القدرة على تحويل هذا المخزون إلى منتجات وخدمات وأسواق. غير أن غياب الأطر المؤسسية الناظمة يحول دون تحقيق التكامل المطلوب. ومن هنا، يصبح الربط المنهجي بين الطرفين ضرورة تنموية، وليس خياراً إضافياً. فالصناعة تحتاج إلى حلول تقنية لرفع الكفاءة الإنتاجية وتقليل الكلف وتعزيز القدرة التنافسية، بينما تحتاج الجامعات إلى بيئات تطبيقية وتمويل مستدام يضمن توجيه البحث العلمي نحو أولويات وطنية ذات أثر مباشر.

يتطلب تنفيذ هذا الربط تبني مقاربة متعددة المستويات تبدأ بتحديد أولويات قطاعية واضحة تُبنى على احتياجات الصناعات الوطنية، ثم ترجمتها إلى برامج بحثية تطبيقية ذات مؤشرات أداء قابلة للقياس. كما يستدعي الأمر تفعيل مكاتب نقل التكنولوجيا داخل الجامعات، بحيث تضطلع بدور فاعل في إدارة الملكية الفكرية، وتسجيل براءات الاختراع، وترخيصها، ودعم إنشاء الشركات المنبثقة عن الأبحاث الجامعية. وإلى جانب ذلك، يشكل إدماج الطلبة والباحثين في مشاريع صناعية حقيقية من خلال برامج تدريب تعاوني وبحث مشترك أداة عملية لتعزيز انتقال المعرفة وتكامل الخبرات.

أما من حيث التمويل، فإن استدامة هذه الشراكة تقتضي تنويع مصادر الدعم وعدم الاقتصار على المخصصات الحكومية. فإلى جانب البرامج التي يمكن أن يدعمها صندوق دعم البحث العلمي والابتكار، ينبغي تحفيز القطاع الصناعي على تخصيص جزء من إنفاقه للاستثمار في البحث والتطوير، عبر حوافز ضريبية وتنظيمية مشروطة بنتائج محددة. كما يمكن تصميم صناديق مشتركة بين الجامعات والصناعة لتقاسم المخاطر والعوائد، بما يعزز الثقة المتبادلة ويشجع الاستثمار طويل الأجل في الابتكار. ويضاف إلى ذلك إمكانية استقطاب تمويل دولي موجه لمشروعات التحول الرقمي والتكنولوجيا النظيفة وسلاسل القيمة الصناعية، شريطة توافر إطار حوكمة واضح وشفاف.

تكمن القيمة المضافة لهذا التكامل في أثره الهيكلي على الاقتصاد الوطني. فتعزيز الإنفاق على البحث والتطوير داخل القطاع الصناعي يرفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، ويحد من الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، ويدعم تنويع الصادرات. وفي الوقت ذاته، يسهم توجيه الأبحاث الأكاديمية نحو تطبيقات عملية في تحسين جودة المخرجات العلمية وزيادة ارتباطها بالتحديات التنموية. كما يؤدي هذا الترابط إلى تقليص فجوة المهارات في سوق العمل، من خلال مواءمة البرامج الأكاديمية مع احتياجات القطاعات الإنتاجية.

ومن منظور استشرافي، أرى أن نجاح هذا المسار يتوقف على تحويل مخرجات الحوار المؤسسي إلى التزامات تنفيذية واضحة ضمن إطار وطني للابتكار الصناعي. فالمطلوب هو بناء منظومة حوكمة تتضمن مؤشرات أداء محددة، مثل حجم الإنفاق الصناعي على البحث والتطوير، وعدد البراءات المسجلة والمفعّلة تجارياً، وعدد المشاريع المشتركة بين الجامعات والمصانع. كما أن ترسيخ ثقافة الثقة والمساءلة بين الأطراف المعنية يمثل شرطاً أساسياً لضمان استدامة التعاون.

في الأفق المنظور، يمكن لهذا التكامل أن يشكل نقطة تحول في مسار التنمية الاقتصادية، إذا ما جرى تأطيره ضمن رؤية وطنية تجعل الابتكار ركيزة للنمو المستدام. وعندئذٍ، لن تكون الجامعة مؤسسة تعليمية فحسب، بل شريكاً إنتاجياً في خلق القيمة، ولن تكون الصناعة مستهلكاً للتكنولوجيا فقط، بل مساهماً في إنتاجها وتطويرها، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويعمق استقلاله المعرفي على المدى المتوسط والطويل. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك