الأخبار

فراس النعسان : هدوء أقوى من الصواريخ

فراس النعسان : هدوء أقوى من الصواريخ
أخبارنا :  

سقوط النظام الإيراني ومقتل علي خامنئي في الضربات الأميركية-الإسرائيلية على طهران لم يكونا مجرد حدثين عسكريين، بل لحظة كشفت طبيعة المأزق الذي وصل إليه هذا النظام. فعندما عجزت طهران عن فرض معادلة ردع متكافئة، بدا ردّها أقرب إلى توسيع دائرة الأذى بدل توجيه ضربة استراتيجية حاسمة.

التحول من مواجهة عسكرية مباشرة إلى استهداف مصالح مدنية في دول خليجية والأردن يعكس ارتباكاً أكثر مما يعكس قوة. في الحسابات الباردة، ضرب الأهداف المدنية لا يغيّر ميزان القوى، لكنه يراهن على إحداث صدمة نفسية وإرباك سياسي. هذا النوع من السلوك غالباً ما يصدر عن طرف فقد زمام المبادرة العسكرية، فيلجأ إلى أدوات أقل كلفة وأعلى ضجيجاً.

لكن المفارقة أن الدول التي طالتها الاستهدافات لم تنزلق إلى ردود فعل عاطفية. ضبط النفس هنا لم يكن تردداً، بل استراتيجية واعية. أي رد متسرع كان سيمنح طهران فرصة لخلط الأوراق وتصوير نفسها كضحية عدوان أوسع. بدلاً من ذلك، تم التركيز على تعزيز الجبهة الداخلية، رفع الجاهزية الدفاعية، وطمأنة المجتمعات بأن الأمن والاستقرار أولوية لا تخضع للاستفزاز.

هذا السلوك يعكس نضجاً في إدارة الأزمات. فالمعادلة اليوم ليست عسكرية فقط، إنها اقتصادية وأمنية ومجتمعية. الانجرار إلى مواجهة مفتوحة كان سيحمل كلفة ضخمة على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة والاستثمار. لذلك كان الرد الأذكى هو منع التصعيد من تحقيق هدفه الأساسي: نشر الفوضى.

في الداخل الإيراني، تبدو الصورة أكثر هشاشة. نظام يتلقى ضربة قاصمة في قيادته، ثم يرد بخطوات لا تحقق إنجازاً واضحاً، يضع نفسه تحت ضغط شعبي متزايد. الخطاب الذي وعد بردع قوي قد يصطدم بواقع مختلف، خسارة استراتيجية يقابلها رد رمزي. ومع تراكم الأعباء الاقتصادية والضغوط الاجتماعية، يصبح السؤال داخلياً أكثر منه خارجياً.

التاريخ لا يسقط الأنظمة بالصواريخ وحدها، بل حين تتآكل شرعيتها أمام جمهورها. وإذا شعر الشارع الإيراني بأن المواجهة تحولت إلى مغامرة مكلفة بلا أفق واضح، فقد تتصاعد موجات الاحتجاج بشكل يصعب احتواؤه.

المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الضربات، بل بقدرة الأطراف على إدارة ما بعدها. وفي مشهد كهذا، قد يكون الهدوء المدروس - لا الضجيج - هو السلاح الأكثر فاعلية.

مواضيع قد تهمك