المقررة الأممية في عمان تدلي بشهادة تاريخية على تآكل النظام الدولي
يمان الفارس
عمان- هنا في عمّان، لم تكن الأمسية حدثا عاديا، يضاف إلى روزنامة الفعاليات السياسية، بل لحظة مكثّفة بدا فيها أن التاريخ يمرّ من بين الكلمات.
ففي مدينة عرفت ثقل الجغرافيا وتعقيدات الإقليم، اجتمع الحضور ليستمعوا إلى المقررة الأممية الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 فرانشيسكا ألبانيز، لا بصفتها مقررة خاصة للأمم المتحدة فحسب، بل شاهدة من داخل المؤسسة الدولية نفسها على مرحلة، يتكشف فيها النظام العالمي من ادعاءاته الكبرى.
فالأردن، الذي يقف منذ عقود في قلب التحولات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، لم يكن مجرد منصة للحدث، بل مساحة سياسية تحمل حساسية خاصة لكل ما يقال عن الحدود، والسيادة، والاستقرار الإقليمي.
لذلك بدا اللقاء في عمّان، والذي عجّ بمشاركة مئات الضيوف وعلى مختلف المستويات، وكأنه أكثر من محاضرة؛ كان قراءة علنية لامتحان صعب يواجهه العالم الدولي؛ هل ما تزال القواعد التي وضعت بعد الحروب الكبرى، قادرة على الصمود حين تتعرض لأقسى اختباراتها؟
ففي عمان، حيث تتقاطع السياسة بالتاريخ، استقبلت ألبانيز بحفاوة، حملت أكثر من بعد رمزي؛ فالأردن، الدولة التي بقيت لعقود في تماسّ مباشر مع تداعيات القضية الفلسطينية، لم تكن مجرد مستضيف، بل بدت كأنها أحد الشهود التاريخيين على تحولات الصراع، واختبارات النظام الدولي المتكررة.
فمنذ اللحظة الأولى، اتضح بأن الحدث في عمّان ليس فقط منصة لسرد الوقائع، بل مساحة لطرح سؤال أكبر؛ ماذا يعني أن تصبح مؤسسات القانون الدولي نفسها عرضة للضغط، حين تقترب من توصيف ما يحدث في فلسطين؟
بكلمات أكثر لست بخير
استهلّت ألبانيز حديثها، خلال الفعالية التي نظمتها منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) مساء أول من أمس، بكلمات امتنان صادقة للأردن، شعبا ومؤسسات، مؤكدة أنها شعرت منذ وصولها إلى عمّان بحجم التضامن والاهتمام، لكنها سرعان ما انتقلت إلى مستوى أعمق من الحديث، قائلة إنها في العامين الماضيين كانت تسأل باستمرار؛ "كيف حالك؟"، مضيفة بصدق لافت: "بكلمات قليلة، أنا بخير.. لكن بكلمات أكثر، لست بخير".
وفي الأردن، حيث ينظر إلى استقرار الإقليم كقضية أمن قومي، اكتسب حديثها عن القانون الدولي بعدا إضافيا؛ فالمسألة لم تعد مجرد توصيف قانوني لما يجري في غزة أو الضفة، بل سؤال عن مستقبل المنطقة بأكملها إذا ما استمر تآكل المرجعيات الدولية.
ففي سياق حديثها عن الضغوط التي تعرضت لها، أشارت ألبانيز إلى الإجراءات التي اتخذت بحقها، موضحة بأن هذا النوع من التدابير، يستخدم عادة ضد "أفراد يعتبرون خطرا على الأمن الدولي"، قبل أن تضيف بلهجة هادئة لكنها حاسمة: "أنا خبيرة مستقلة أؤدي ولاية أممية.. ومع ذلك كنت أول من يتعرض لهذا النوع من الإجراءات".
واستبدلت توصيف الجهة بعبارة أكثر شمولا حين تحدثت عن "العالم الدولي" الذي مدّد أو غطّى هذه الإجراءات، في إشارة واضحة إلى أن المسألة تتجاوز دولة بعينها، لتصل إلى شبكة أوسع من مراكز القرار. وهنا يصبح الانتهاك مضاعفا؛ ليس فقط تجاه الشعب الواقع تحت الاحتلال، بل تجاه وظيفة الأمم المتحدة ذاتها، وتجاه الحصانات التي يفترض بأن تحمي أدوات العدالة الدولية.
وقالت ألبانيز بوضوح إنها بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، توثيق عناصر جريمة الإبادة وفقا لتعريفها القانوني؛ "القتل، إلحاق الأذى الجسدي والنفسي الجسيم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى التدمير.. هذا توصيف قانوني، لا خطابا عاطفيا".
لكنها طرحت السؤال الأخطر؛ وهو "هناك التزام قانوني بمنع الإبادة.. وهناك سوابق قضائية واضحة.. فكيف لا يتحرك العالم الدولي؟".
ففي هذه النقطة تحديدا، تحوّل خطابها من توثيق انتهاكات الاحتلال، إلى مساءلة صريحة للبنية الدولية التي سمحت باستمرارها؛ فحين ترفع القضايا أمام المحاكم الدولية، وتوثَّق الأدلة، ويستمر الواقع على حاله، فإن العطب لم يعد في النصوص، بل في الإرادة السياسية التي تتحكم بتفعيلها.
وعند التطرق إلى مشاريع التوسع الإقليمي وما يعرف بـ"إسرائيل الكبرى"، بدا البعد الأردني حاضرا بقوة؛ فأشارت إلى خرائط عرضت علنا في محافل دولية، مؤكدة أن الأمر ليس مجرد خطاب داخلي، بل طموح معلن.
لكنها ذهبت أبعد من الجغرافيا بقولها "المسألة لم تعد احتلال أرض فقط.. يمكن اليوم السيطرة دون وجود عسكري مباشر، عبر التكنولوجيا ورأس المال والخوارزميات".
وفي بلد كالأردن، الذي يرى في أي تغيير جذري في معادلات الإقليم تهديدا مباشرا لاستقراره، اكتسب هذا التحليل دلالة خاصة؛ فالقضية لم تعد حدودا يعاد رسمها، بل منظومة هيمنة قد تمتد آثارها إلى بنية الدول نفسها.
وفي عرضها لتقريرها حول "الانتقال من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة"، تحدثت ألبانيز عن شبكة معقدة من الشركات والمؤسسات المالية والجامعات، التي تسهم بدرجات متفاوتة، في ترسيخ واقع الإزاحة والاستبدال.
وقالت في هذا السياق "كلما تعمّقت، وجدت بنية كاملة من المصالح.. ليس السلاح فقط، بل التمويل، والتكنولوجيا، والتطبيع الاقتصادي".
وهنا تطرح المفارقة الكبرى؛ كيف يمكن للنظام الاقتصادي العالمي أن يحقق أرباحا في ظل كارثة إنسانية موثقة؟ وكيف يتحول الألم إلى مؤشر نمو في الأسواق؟
وفي عمّان، بدا أن الرسالة تتجاوز فلسطين، لتصل إلى جوهر فكرة التعددية الدولية نفسها.
ووفق ألبانيز، فإن "القانون الدولي لا يعمل كجهاز تحكم عن بعد.. الحقوق لم تكن يوما هبة من الدول، بل ثمرة نضالات".
وفي هذا الاستحضار، بدا وكأنها تدعو إلى قراءة اللحظة لا باعتبارها انهيارا نهائيا، بل اختبارا حاسما؛ هل يعاد إحياء القانون الدولي بوصفه مرجعية ملزمة؟ أم يترك ليتحول إلى وثيقة أخلاقية جميلة بلا أدوات تنفيذ؟
فالأمسية في عمّان كشفت عن حقيقة مقلقة؛ الانتهاك لم يعد محصورا بجغرافيا محتلة، بل امتد إلى بنية النظام الدولي ذاته.
فحين يُستهدَف الخبراء الأمميون، وتمارس الضغوط على القضاة، وتعطَّل آليات المساءلة، فإن السؤال لم يعد فقط عن مصير شعب، بل عن مصير فكرة العدالة العالمية.
وفي ختام حديثها، أطلقت ألبانيز تحذيرا يتجاوز العواصم وحدود الإقليم، مفاده "حتى إن لم تكترثوا بفلسطين.. فعليكم أن تكترثوا بحريتكم".
وفي عمّان، لم يكن الخطاب مجرد تضامن، بل لحظة وعي ثقيل؛ فإما أن يستعيد العالم الدولي شجاعته في حماية القواعد التي وضعها لنفسه، أو يعترف بأن تلك القواعد كانت دائما قابلة للتعليق حين تقترب من مناطق النفوذ.
وبين الاحتمالين، يقف الأردن، كما بدا في تلك الأمسية، مراقبا يقظا، مدركا أن ما يختبر اليوم في غزة، قد يرسم ملامح الإقليم لعقود قادمة. ــ الغد