الأخبار

الأديب جلال برجس: السردية الأردنية جامعةٌ وفق المفهوم الوطني الشفاف

الأديب جلال برجس: السردية الأردنية جامعةٌ وفق المفهوم الوطني الشفاف
أخبارنا :  

إعداد: نضال برقان

«السردية الأردنية.. الأرض والإنسان» مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة الأردنية، بتوجيهات ملكية سامية، لتوثيق المسار الثقافي والاجتماعي للأردن، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية والانتماء. ويسعى المشروع إلى رواية حكاية الإنسان الأردني الذي تجذّر في أرضه، وأسهم في بناء دولته عبر محطات مفصلية من التاريخ، مستندًا إلى قيم الصمود والبناء والتنوع، ومؤكدًا أن الحكاية ليست حكاية نخبة، بل قصة مجتمع بأكمله.

في سياق هذا المشروع، نحاور كوكبة من المبدعين الأردنيين، سعيًا إلى مقاربة دور الإبداع في تشكيل الوعي الجمعي، وقراءة موقع الكاتب داخل هذه السردية. وكانت وقفتنا مع الأديب جلال برجس.

كيف تفهم مفهوم «السردية الأردنية» خارج الإطار التعريفي الرسمي؟ هل تراها رواية جامعة أم فسيفساء من الروايات المتجاورة؟

- أؤمن أن لكل إنسان سرديته الخاصة، لكنه في الوقت ذاته ينتمي إلى سردية إنسانية كبرى. هذا الانتماء لا يلغي التمايز، بل يفسره؛ فالسرديات تتشكل بفعل التاريخ والجغرافيا والثقافة والفكر والدين، لكنها تظل مشدودة إلى خيط إنساني جامع. من هنا أفهم السردية الأردنية: ليست رواية أحادية الصوت، ولا فسيفساء مفككة، بل سردية جامعة وفق مفهوم وطني شفاف.

الجامعة هنا لا تعني الإلغاء، بل تعني الاحتواء. فالتنوع، إذا أُحسن فهمه، يتحول من مصدر تباين إلى عنصر إثراء. والسردية الوطنية، إن لم تكن مرنة وقابلة للتطور التاريخي، تفقد قدرتها على الاستمرار. لذلك أرى أن نجاح الاشتغال عليها مرهون بتعريف سليم للمواطنة، حقوقًا وواجبات، وبالإيمان بأن الوطنية ليست مفهومًا جامدًا، بل تجربة إنسانية تتطور مع الزمن.

أين يقف مشروعك الإبداعي داخل هذه السردية؟ هل تكتب من موقع الشاهد أم الناقد؟

- يأتي مشروعي الأدبي من تعالق الذاتي بالموضوعي. لا أكتب من موقع الشاهد المحايد، ولا من موقع الواعظ، بل من موقع الناقد المتأمل الذي يسعى إلى فهم الواقع وتحليله. الأدب بالنسبة لي ليس مجرد سرد أحداث، بل ممارسة فكرية وإنسانية تسائل العلاقة بين الزمن والإنسان، وبين الفرد والمجتمع، وبين الذاكرة والتجربة الحاضرة.

أسأل نفسي دائمًا: كيف يمكن للنص أن يحوّل الماضي إلى حاضر حيّ دون أن يقيده؟ وكيف يمكن للرواية أن تكون مرآة للواقع ونافذة لاحتمالات المستقبل في آنٍ واحد؟ من هنا يصبح الأدب مساحة للبحث عن المعنى، لا مجرد حكاية تُروى، بل تجربة تُعاش وتتجدد مع كل قراءة.

إلى أي حد تتشكل الهوية الأدبية من الجغرافيا؟ وكيف يتجلى المكان الأردني في أعمالك؟

- الهوية الأدبية نتاج منظومة معقدة من العوامل، لكن الجغرافيا تبقى عنصرًا حاسمًا فيها. المكان ليس خلفية محايدة، بل كيان حيّ يسهم في تشكيل وعي الشخصيات واختياراتها. في تجربتي، المكان الأردني جزء من بنيتي الداخلية، من لغتي، ومن حساسيتي تجاه التفاصيل.

يمكن للكاتب أن يكتب عن مدن بعيدة، لكن الصدق الأدبي لا ينبع من الوصف الخارجي، بل من عمق الإحساس بالمكان والإنسان. المحلية الصادقة ليست نقيض العالمية؛ بل هي مدخل إليها. حين تنطلق الكتابة من تجربة حقيقية، تصبح قادرة على التواصل مع قارئ في أي مكان، لأن الإنسان في جوهره واحد، وإن اختلفت السياقات.

هل نجح الأدب الأردني في تحويل الأرض إلى دلالة والإنسان إلى رمز يتجاوز اللحظة؟

- خلال العقود الأخيرة، أخذ الأدب الأردني يرسّخ هويته الخاصة بعد فترات من الحضور المحدود عربيًا وعالميًا. تشكلت نصوص تمزج بين الجغرافيا والتاريخ والثقافة، فجعلت الأرض أكثر من مساحة جغرافية؛ جعلتها دلالة حيّة تعكس الخصوصية البيئية والذاكرة الجمعية. كما تحوّل الإنسان إلى رمز لتجربة إنسانية متجددة، لا تنحصر في اللحظة الراهنة.

هذا المسار ينبغي أن يُستكمل، لأنه جزء من مشروع أوسع لبناء سردية وطنية قادرة على أن تكون حاضنة للهوية، ومرآة للتجربة الإنسانية، وجسرًا للحوار الثقافي مع العالم.

المشروع يركز على «الإنسان الذي صنع التاريخ»؛ من هو هذا الإنسان في نصوصك؟

- هو الإنسان الأردني الذي يتقاطع مع الإنسان العربي والعالمي في قضاياه. قد يكون مهمشًا، أو حالمًا، أو باحثًا عن عدالة أوسع. أؤمن أن الإنسان هو صانع التاريخ، وأن الأدب يجب أن يعيد إليه مركز السرد.

حين كتبتُ «دفاتر الوراق»، انطلقت من بيئتي الأردنية، لكنني كنت أراهن على البعد الإنساني الذي يجعل التجربة المحلية قابلة للعبور. فالفضاء الخاص، إذا كُتب بصدق، يمكن أن يفضي إلى الفضاء العام.

كيف يمكن للإبداع أن يقترب من محطات مفصلية في تاريخ الأردن دون أن يتحول إلى خطاب تقريري؟

- بالاقتراب من الإنسان لا من الشعارات. المفاصل التاريخية ليست مجرد أحداث منتهية، بل موروث حيّ يترك أثره في الحاضر ويؤثر في إمكانات المستقبل. مقاربتها أدبيًا تتطلب تجاوز المباشرة والخطابية، والذهاب إلى العمق الإنساني الذي يكشف أثر الحدث في النفس الفردية والجماعية.

الأدب هنا لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يعيد إنتاج المعنى، ويمنح القارئ فرصة المشاركة في التجربة، بدل أن يضعه أمام نص تقريري مغلق.

هل يمكن أن تتعايش السردية الوطنية مع سرديات الاختلاف والألم؟

- إن لم تتعايش معها فلن تستمر. السردية الوطنية الحية هي التي تعترف بالاختلاف وتحتفي به، وتدرك أن التعدد ليس تهديدًا، بل مصدر قوة. المرونة ليست خيارًا تجميليًا، بل شرط لبقاء أي سردية قادرة على التكيف مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

كيف نوازن بين الانتماء الوطني وحرية الكاتب في النقد؟

- لا وطنية حقيقية من دون مساءلة. الوطنية لا تعني غضّ الطرف عن العقبات، بل تعني السعي إلى تجاوزها. النقد المسؤول شكل من أشكال الوفاء، لأنه يهدف إلى البناء لا الهدم. ولا يمكن لنص أدبي أن يسهم في فهم المجتمع ما لم ينطلق من صدق التجربة ووعي الالتزام الأخلاقي تجاه الإنسان.

ما الذي لم يُحكَ بعد في القصة الأردنية؟

- لم تُروَ بعد، بالعمق الكافي، الحقيقة الناصعة للأردن وللأردنيين، بعيدًا عن التشويه أو الادعاءات المغلوطة. هناك حاجة إلى جهد ثقافي يعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويُظهر الصورة كما هي، بما يليق بالواقع والأصالة.

لو طُلب منك أن تكتب فصلًا موجّهًا للأجيال القادمة ضمن السردية الأردنية، ماذا سيكون عنوانه؟

- «أنا إنسان أردني».

كيف ترى دور الشباب في إعادة صياغة هذه السردية بلغة العصر الرقمي؟

- الشباب يمتلكون أدوات العصر، وهم قادرون على تقديم السردية الوطنية بلغة تفاعلية تمزج الأصالة بالحداثة. يمكنهم أن يفتحوا منصات للحوار، وأن يرووا القصص بوسائط متعددة، وأن يشاركوا في إعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يضمن بقاء السردية حيّة ومتصلة بالمستقبل.

بجملة واحدة: ما الذي يجب ألا ننساه ونحن نكتب قصة الأردن؟

- لنثق بالأردن.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك