الأخبار

القس سامر عازر يكتب : بيوم الأخوَّة الإنسانية

القس سامر عازر يكتب : بيوم الأخوَّة الإنسانية
أخبارنا :  

القس سامر عازر

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة حول مصير الإنسان ومعنى العيش المشترك، يطلّ علينا يوم الأخوة الإنسانية لا كمناسبة احتفالية عابرة، بل كدعوةٍ روحية وأخلاقية عميقة لإعادة اكتشاف الإنسان أخًا للإنسان، وصورةً لله في الآخر قبل أن يكون خصمًا أو منافسًا.


ومن هنا تكتسب الوثيقة التي وُقِّعت عام 2019 في أبوظبي بين قداسة البابا الراحل فرنسيس وفضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب أهميتها الرمزية والروحية، إذ لم تكن مجرد نصٍّ فكري، بل صرخة ضمير عالمي ورسالة إيمان تتجاوز الأديان والطوائف والمذاهب نحو إنسانيةٍ جامعة، وخصوصا في وقتنا الحاضر.


لقد كان جميلاً ومعبّرًا أن نرى شيخ الأزهر يخاطب البابا الراحل فرنسيس بـ "الأخ والصديق”، في مشهدٍ نادر يعكس عمق اللقاء الإنساني قبل أي حوارٍ لاهوتي أو سياسي. لكن الأجمل من اللقاء هو ما ينبغي أن يثمره في حياتنا اليومية. فالتحدي الحقيقي ليس في الصور التذكارية ولا في بيانات النخب، بل في ترجمة تلك الروح إلى واقعٍ ملموس بين الناس، خاصة في عصر الميديا المتسارعة والذكاء الاصطناعي حيث يمكن للكلمة أن تبني جسورًا أو تهدم أوطانًا. إن الأخوة الإنسانية إن بقيت شعارًا فقدت رسالتها، أما إن تحولت إلى أسلوب حياة، فقد أصبحت إنجيلاً يُعاش قبل أن يُقرأ.


ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه بجرأة: هل هناك مستقبل للحوار الديني؟ لكن قبل الإجابة، ينبغي أن نسأل بصدقٍ أكبر: هل ما زال للدين في حياة الناس تلك المكانة التي تعكسها المؤسسات الدينية ومن يمثلها؟ إن الأزمة ليست في الدين بحد ذاته، بل في صورته عندما يُختزل إلى خطابٍ جامد أو صراعٍ هويّاتي أو تصرفات غير مسؤولة أو فتاوى جانحة. فالإيمان، بحسب جوهره، طاقةُ محبةٍ وتحرير، وهو مدعوّ لأن يتحول إلى قوة تغيير تبني الإنسان وتعيد له كرامته. وكل مرة نجمد فيها الحوار ونغلق أبواب اللقاء، فإننا ـ من حيث لا ندري ـ نقدّم هدية مجانية للتطرف والإرهاب، لأن الفراغ الذي يتركه الحوار تملؤه لغة الخوف والكراهية.


إن الإرث الذي تركه البابا الراحل فرنسيس في الدفع نحو الأخوة الإنسانية يدعونا اليوم إلى أن نسأل أنفسنا: هل نبني على ما تحقق أم نكتفي بتمجيد الماضي؟ فالشعار الذي قدمه الفاتيكان لهذا العام "متحدون من أجل السلام” ليس جملة شاعرية، بل مشروع عملٍ يتطلب صناع سلام حقيقيين، رجالاً ونساءً يحملون الإيمان كمسؤولية أخلاقية لا كهوية مغلقة. فالإيمان الذي لا يغيّر الواقع يبقى ناقصًا، واللاهوت الذي لا ينحني أمام جراح الإنسان يتحول إلى نظريةٍ بلا روح.


لقد أكدت وثيقة الأخوة الإنسانية كما اشار إلى ذلك شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب أن الاختلاف سنَّة كونية، وأن حرية الاعتقاد ليست تهديدًا للإيمان بل فضاءً لنضوجه. فالاختلاف ليس دعوة للصراع بل فرصة للتعارف والتكامل، لأن الله الذي خلق التعدد لم يقصد به التناحر بل الغنى المتبادل. وفي ضوء هذا الفهم، يصبح الحوار الديني ليس تنازلاً عن الحقيقة، بل بحثًا مشتركًا عنها في وجوه الآخرين وتجاربهم.


ومن روح الأخوة الإنسانية، نحن مدعوون إلى الإيمان بأن كرامة الإنسان غير قابلة للتجزئة، وأن الله الذي خلق البشر متنوعين أرادهم شركاء في إعمار الأرض لا متصارعين عليها. فالأخوّة ليست شعارًا سياسيًا ولا مجاملة دبلوماسية، بل موقف روحي يبدأ بالاعتراف بأن الآخر يحمل في داخله نفخة الخالق ذاتها. وحين نختار أن نرى في المختلف شريكًا لا خصمًا، ننتقل من منطق الخوف إلى منطق الرجاء، ومن عقلية الإقصاء إلى ثقافة اللقاء، فنصبح شهودًا لإيمانٍ يفتح الأبواب بدل أن يغلقها، ويشفي الجراح بدل أن يعمّقها.


ومع ذلك، لا يمكن أن نغفل أن المدرسة الأولى للأخوة الإنسانية هي العائلة. ففي البيت يتعلم الطفل معنى قبول الآخر واحترام كرامته قبل أية مؤسسة أخرى. فإذا تربّى الإنسان على التسامح والمساواة منذ الصغر، أصبح الحوار بالنسبة له أمرًا طبيعيًا لا مشروعًا استثنائيًا. وهنا يظهر دور التربية والتعليم والخطاب الديني في البناء من الأسفل إلى الأعلى، في مقابل ضرورة وجود إرادة سياسية وقوانين وتشريعات عادلة من الأعلى إلى الأسفل تحمي الكرامة الإنسانية وتصون التعدد.

كما يبقى الإعلام سلاحًا ذا حدين؛ فهو إما خادم للوئام أو منصة للكراهية. فكم من خطابٍ مشحونٍ صنع فجوةً بين الناس، وكم من كلمةٍ مسؤولة أعادت الثقة بين المجتمعات. وفي عالمٍ يتشكل الكثير من وعيه عبر الشاشات، يصبح لزامًا علينا أن نكون شهودًا للحق بلغةٍ إنسانيةٍ تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.


إن التحدي اليوم لا يقتصر على التنظير، بل يتطلب خطةً مجتمعية تعليمية شاملة لجميع الأعمار في المدارس والجامعات ، مرورًا بالمؤسسات الدينية والثقافية، وصولاً إلى فضاءات الحوار الشعبي. فالأخوة الإنسانية ليست مشروع نخبة، بل مسار حياةٍ يومي يشارك فيه الجميع. كما أننا بحاجة إلى تفكيك الصور النمطية التي تخلط بين الدين والسياسة أو بين الإيمان وصراعات القوى، لأن دينًا بلا إنسانية يفقد روحه، وإنسانية بلا بعدٍ روحي تفقد عمقها.


في يوم الأخوة الإنسانية، نحن مدعوون إلى مراجعة ذواتنا قبل أن نحاكم الآخرين: هل أصبح الإيمان جسرًا نلتقي عليه أم جدارًا نتحصن خلفه؟ وهل تحولت وثيقة الأخوة الإنسانية إلى ثقافةٍ مجتمعية أم بقيت حبرًا على ورق؟ إن مستقبل الحوار الديني مرهون بقدرتنا على تحويل الإيمان إلى طاقة محبة، وعلى رؤية الآخر لا كتهديد بل كمرآةٍ نكتشف فيها وجه الله.

إن الأخوة الإنسانية ليست حلمًا مستحيلاً، بل خيارًا يوميًا يبدأ بكلمة طيبة، وبموقف عادل، وبقلبٍ مفتوح. وعندما يتحول الإيمان إلى فعل محبةٍ حي، يصبح العالم أقرب إلى السلام، لأن السلام ليس غياب الاختلاف، بل القدرة على العيش مع الاختلاف بمحبةٍ واحترام.

مواضيع قد تهمك